القاهرة منورة بإبداعها

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

في مفارقة آسرة، تبدو القاهرة، التي تخضع هذه الأيام لقرار ترشيد الطاقة وإطفاء الأنوار، وكأنها تعوِّض عتمتها الفيزيائية بإشعال وهجٍ آخر لا يخبو، إنه وهج الفن.

في قلب هذه المدينة التي تعرف كيف تقاوم الظلام بالجمال، ينهض العرض المسرحي الاستثنائي «الملك لير» على خشبة المسرح القومي، ليؤكد أن الإبداع هو الطاقة الأعمق التي لا يمكن ترشيدها أو إطفاؤها.

هذا العمل، المأخوذ عن النص الخالد للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، بترجمة فاطمة موسي، وإخراج المبدع شادي سرور، يقدِّم قراءة مصرية نابضة بالحياة، تستحضر روح النص الأصلي وتعيد تشكيله بما يلامس الوجدان العربي.

ويقود هذا العرض الفنان القدير يحيى الفخراني، الذي يجسد شخصية الملك لير بعمق إنساني نادر، بمشاركة كوكبة من الفنانين، من بينهم طارق دسوقي، حسن يوسف، أحمد عثمان، تامر الكاشف، أمل عبدالله، إيمان رجائي، ريم عبدالحليم، طارق شرف، محمد العزايزي، عادل خلف، ومحمد حسن.

تدور أحداث المسرحية حول الملك «لير» الذي تخيل في لحظة أنه بلغ منتهي الحكمة، ويقرر أن يوزع ملكه على بناته الثلاث وفق معيار الحب المعلن.

لكن ما تصوَّره حكمة تحوَّل إلى مأساة، حين ينخدع بالألفاظ المنمَّقة لبنتيه الكبرى والوسطي، ويعاقب الصدق الصافي لابنته الصغري «كورديليا»، وهنا تتجلي المفارقة الكبرى، حين تصبح الكلمات بديلاً للحقيقة، وحين يُكافأ الزيف ويُعاقب الصدق.

يبدأ العرض بلوحة راقصة مبهجة تجسد رفاهية البلاط الملكي وانسجامه، لكن هذه الصورة سرعان ما تتشقق تحت وطأة الطمع البشري، وتتكاثر المؤامرات، وتتفكك الروابط العائلية، ويتحول الحب إلى أداة للسيطرة.

هذا التحول الدرامي لا يقدم فقط سيرة لملك، بل كمرآة للإنسان في ضعفه وقسوته، في شهوته للسلطة، وفي عجزه عن التمييز بين الحقيقة والزيف.

أداء العظيم يحيى الفخراني يُعد قلب هذا العمل النابض، فعلى الرغم من عبء الحركة على خشبة المسرح الذي قد يفرضه العمر، إلا أنه بدا كتلة متوهجة من الطاقة، يمزج بين الانكسار والكبرياء، بين الغضب والندم، في أداء يغلب عليه الطابع الفلسفي العميق.

لم يكن «لير» الذي قدَّمه مجرد ملك مأساوي، بل إنسان يتعرَّى تدريجياً أمام أخطائه، حتى يبلغ لحظة الإدراك بعد فوات الأوان.

وتكتمل هذه التجربة البصرية والسمعية بفضل سينوغرافيا متقنة، استخدمت الضوء والصوت بوصفهما عنصرين دراميين لا يقلان أهمية عن الأداء التمثيلي.

ساهمت المؤثرات البصرية في خلق عوالم متغيرة تعكس التحولات النفسية للشخصيات، فيما جاءت الموسيقي لتؤكد الإيقاع الداخلي للمأساة.

اللافت في هذا العرض أنه لا ينحاز إلى الخير أو الشر بشكل مباشر، لكنه يكشف تعقيدات الطبيعة البشرية. فالشر ليس مطلقاً، والخير ليس مضموناً، فكلاهما يتصارع داخل الإنسان ذاته.

وفي مقابل الطمع والخيانة، يبرز الصدق والوفاء، في شخصية الابنة «كورديليا»، التي تدفع حياتها ثمناً لحبها الصادق لأبيها، إنها مفارقة أخرى.. أن يكون الصدق سبباً للهلاك في عالم اعتاد النفاق.

تبلغ المأساة ذروتها حين تتهاوى الشخصيات واحدة تلو الأخرى، فالأختان تقتلان بعضهما بدافع الغيرة، ويتم شنق «كورديليا»، ويموت الملك -الأب- حسرة عليها، بعد أن أدرك متأخراً أنها كانت الحقيقة الوحيدة في حياته.

وينتهي العرض ببصيص أمل، في لقاء رمزي بين الأب وابنته في العالم الآخر الذي يخلو من الأطماع.

هذا العرض لم يقتصر تأثيره على الجمهور المصري، لكنه تجاوز الحدود، حيث افتتح فعاليات «أيام قرطاج المسرحية» في دورته السادسة والعشرين في تونس في نوفمبر من العام الماضي، في تأكيد على مكانة المسرح المصري وقدرته على تقديم أعمال ذات بعد إنساني عالمي.

«الملك لير» في نسخته المصرية ليس مجرد إعادة تقديم لنص كلاسيكي، لكنه إعادة اكتشاف له، من خلال حساسية فنية معاصرة، وروح ثقافية محلية خالصة.

العرض يُذكرنا بأن المسرح، في جوهره، ليس فقط وسيلة للترفيه، بل أداة للتأمل في الذات الإنسانية، في ضعفها وقوتها، في نورها وظلامها.

وإذا كانت القاهرة تطفئ أنوارها ترشيداً للطاقة، فإن المسرح يظل فيها مضيئاً، ليس بالكهرباء، وإنما بالإبداع.