من يُنصف الطفل في معارك الأسرة؟
تستمد أي أمة قوتها الحقيقية من شبابها، فهم عماد الحاضر وأمل المستقبل، وإذا صلح الشباب، امتلكت الأمة القدرة على بناء مستقبل راسخ، وتبوأت مكانة مرموقة بين الأمم، أما إذا نشأوا في بيئة مضطربة وطفولة غير مستقرة، فإن فرصهم في أن يكونوا عناصر فاعلة وناجحة تتضاءل بشكل كبير، وهو ما ينعكس سلباً على المجتمع بأكمله.
فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي محدود، بل هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان، وتتكون فيها قيمه ومفاهيمه عن الرحمة والانتماء والمسئولية.. وإذا اختل هذا الإطار، فإن أثر ذلك يمتد إلى المجتمع كله، لا إلى أفراد الأسرة وحدهم.
أقول ذلك بمناسبة الحديث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، في توقيت بالغ الأهمية، خاصة في ظل مؤشرات مقلقة تشير إلى ارتفاع معدلات الطلاق وتحول «جناحا الرحمة» الأم، والأب في بعض الحالات إلى ألد الأعداء.. ينشغل كل منهما بالصراع مع الآخر، دون اعتبار كافٍ لمصلحة الأبناء، الذين يجدون أنفسهم في النهاية ضحايا لهذا الخلاف.
وفي هذا السياق، يُحسب للدولة توجهها نحو طرح مشروع القانون للحوار المجتمعي، بما يضمن مشاركة مختلف الأطراف، ويؤكد حيادها، حتى لا تُتهم بالانحياز لطرف على حساب آخر، فإشراك المجتمع في مناقشة القضايا المصيرية يعزز من فرص الوصول إلى تشريعات متوازنة وعادلة، تراعى مصلحة الأسرة المصرية في المقام الأول.
ولعل هذا النهج ليس بجديد، فقد نجحت الدولة من قبل في إدارة حوار مجتمعي حول قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، مما أسهم في تحقيق قدر من التوافق المجتمعي حول قضية كانت محل جدل واسع.
أهمية «الحوار المجتمعي» كأداة أساسية لضمان خروج قانون عادل يعبر عن احتياجات المواطنين، وليس مجرد نصوص جامدة بعيدة عن الواقع.
الحوار المجتمعي في جوهره يمثل منصة لتبادل الرؤى بين مختلف الأطراف المعنية: الأزهر الشريف، والكنيسة، وخبراء القانون، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب المواطنين أنفسهم، سواء من الرجال أو النساء، هذه المشاركة الواسعة تعزز من فرص الوصول إلى قانون توافقى، يراعى البعد الديني، والاجتماعي والإنساني، ويحد من الجدل المستمر حول قضايا الأسرة.
وحقيقة الأمر أن قانون الأحوال الشخصية الحالي به عوار شديد وأشياء غريبة جداً، فهل يُعقل -على سبيل المثال- أن يكون ترتيب الأب في حضانة الطفل رقم «16» بعد الأم والجدود والجدات والعمات والخالات والأخوات؟
وكذلك من أبرز هذه العيوب بطء إجراءات التقاضي، وتعقيدها، مما يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات الأسرية، وهو ما ينعكس سلباً على الأطفال بشكل خاص.. كذلك، هناك إشكاليات تتعلق بتنفيذ أحكام النفقة، وضعف آليات إلزام الطرف المتهرب، مما يضع عبئاً كبيراً على المرأة الحاضنة.
كما تبرز أزمة «الرؤية» كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث يرى البعض أنها لا تحقق التوازن المطلوب بين حق الأب في رؤية أبنائه وحق الطفل في الاستقرار النفسي.
وفي الواقع، فإن الأزمة لا تكمن فقط في وجود النصوص، بل في قدرتها على تحقيق العدالة الناجزة على الأرض، فالحكم الذي يتأخر، أو الذي يصعب تنفيذه، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأطفال يحتاجون إلى الحماية الفورية والاستقرار النفسي والمعيشي دون انتظار سنوات من النزاع.
ومن هنا، يبرز التساؤل: ما المطلوب إضافته في القانون الجديد؟
الإجابة تكمن في عدة نقاط أساسية، أهمها تبسيط إجراءات التقاضي، وإنشاء محاكم متخصصة للأسرة تكون أكثر سرعة ومرونة.. كما يجب تطوير آليات تنفيذ الأحكام، خاصة فيما يتعلق بالنفقة، لضمان حصول المستحقين عليها دون معاناة.
كذلك، من المهم إعادة النظر في نظام الرؤية، بحيث يتحول إلى «استضافة» في بعض الحالات، بما يحقق مصلحة الطفل ويعزز علاقته بكلا الوالدين، كما ينبغي وضع ضوابط واضحة للحضانة، تركز أولاً وأخيراً على مصلحة الطفل، وليس فقط على أحقية أحد الطرفين.
وفيما يتعلق برأي الدين في حضانة الأطفال، فإن الشريعة الإسلامية جعلت المعيار الأساسي هو «مصلحة الطفل»، وغالباً ما تكون الحضانة للأم في السنوات الأولى، نظراً لاحتياج الطفل للرعاية والحنان، ثم تنتقل وفق ترتيب محدد إذا توافرت شروط معينة، لكن الفقه الإسلامي يظل مرناً في هذا الجانب، ويجيز الاجتهاد بما يحقق مصلحة الصغير.
في النهاية، فإن نجاح قانون الأحوال الشخصية الجديد يتوقف على قدرته على تحقيق العدالة والتوازن، وحماية حقوق جميع أفراد الأسرة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال حوار مجتمعي حقيقي، يضع مصلحة الأسرة المصرية فوق أي اعتبارات أخرى.
فاستقرار الأسرة ليس شأناً فردياً معزولاً، بل هو أساس استقرار المجتمع كله، وكل خطوة تشريعية جادة تُنصف الأطفال، وتحقق التوازن بين الحقوق، وتقلل من مساحات الظلم والصراع، هي في حقيقتها استثمار مباشر في مستقبل الوطن.