خذلان
قرأت مقالاً مؤثراً للدكتور محمد طه، يتحدث فيه عن «الخذلان الثاني»، ذلك الذي يأتي عقب الخذلان الأول، فيكون كـ«ضربة قاضية». يتحدث عن تلك اللحظة حين يجتهد المرء لتخطي آثار الصدمة الأولى، وكل ما حملته من عنف وصدمة ومفاجأة، وأسئلة من نوعية «ماذا فعلت ولماذا يحدث ذلك معي»، ليأتي الخذلان الثاني عقب التعافي ومحاولات التجاوز ليحدث ما وصفه بـ«الانهيار».
كان الجزء الأكثر قسوة في مقال الطبيب المخضرم حين قال بالعامية: «الخذلان الأول ممكن يكسر، الخذلان الثاني بيكسر الجزء اللي كان بيقومك على حيلك.. وبيخليك تخاف وتتردد مليون مرة من مجرد فكرة المحاولة»، يتطابق الوصف هنا مع ما قاله الدكتور أحمد خالد توفيق: «أن يأتيك الرمح من داخل سور قلعتك وأن تُهزم من جيشك الأول».
يدور في عقلي هذا كله وأنا أتأمل كل تلك الحوادث الأخيرة، طفلة في عمر الثلاث سنوات تتعرض للاعتداء الجنسي ممن يُفترض أنهما والدها وجدها، ثم حين تبدو عليها آثار ما جرى تحرقها زوجة الأب حتى الموت. لا يستوعب عقلي، لكن الأحداث لا تدع للعقل فرصة، في التوقيت ذاته تبرز أنباء عن اعتداء شخص يُفترض أنه «العم»، على من يُفترض أنها ابنة أخيه، وعلى شقيقتها أيضاً، خذلان وخيانة اكتملا بتلك الطريقة الكالحة التي ظهرت بها الجدة تتحدث عن حفيدتيها وتحاول عبر كل تلك الميكروفونات التي توجهت إليها أن تلمح إلى أنها من كانتا تأتيان إليه بإرادتهما، وأنهما المذنبتان، وأن العيب على أمهما وأبيهما.. تتودد بطريقة مقززة للصحفية التي توجه لها الحديث وتسألها سؤالاً استنكارياً خبيثاً: «مش كده يا بنتي ولا إيه.. هو أنا بقول حاجة غلط؟ اللي مش قد مسئولية الخلفة ما يخلفش»، في إشارة إلى ابنها الأكبر وزوجته، أتأملها وأتساءل بجدية: «ماذا عن مسئوليتك أنت؟».
ينشغل كثيرون الآن بمحاولة معرفة مصير الطفلتين، اللتين سيتم منحهما أسماء بديلة، ووضعهما في ملجأ يبعد محافظتين عن المحافظة الأصلية، ولن يجوز أن تُنسبا لا للأم ولا للأب، ولن تتمكنا من الزواج من نفس المحافظة، للحفاظ عليهما من بقايا المأساة. على الجانب الآخر لم أستطع أن أغض بصري أو أتجاهل ذلك الخبر المفزع عن الرجل الذي أنهى لتوه عمل «قسطرة»، فما كان من ابنه إلا أن تركه في الشارع ورحل، وحين حاول المارة الاتصال به سبَّهم!
ما هذا كله؟ أي قلب يحتمل كل تلك الأخبار المؤذية؟ طفلتان بلا حول ولا قوة خذلهما العالم أجمع، صغيرة لا تعرف عن العالم شيئاً قضت ثلاث سنوات من العذاب قبل أن تقابل وجه الكريم بأبشع الطرق، ثم أخيراً هذا الرجل، غيض من فيض يدفعني للبحث من جديد، ألا توجد نقطة نور هنا في هذا كله؟
ربما هذا هو الهدف من كل ذلك القبح والقيح الذي انفجر فجأة من مواضع غير متوقعة، أن نستوعب ما يعنيه الخذلان حقاً، نعيد تأمله وتعريفه في دوائرنا الضيقة وفي أنفسنا، صحيح أننا لن نستطيع أن نعيد كتابة نهايات أكثر رحمة لأي من هؤلاء الضحايا، لكن الله قدَّر هذا والله كفيل به، أما كل تلك الأمور التي ما تزال عالقة بداخلنا ومن حولنا فهي جزء أيضاً من مشهد كبير، أثر فراشة، قد يترتب عليه براكين لاحقاً، كأن تهب لنجدة صغير تبدو عليه علامات إيذاء، فلا تردد في صمت «وأنا مالي»، أن تبصر كل مواضع الخذلان في نفسك وفيمن حولك وتقرر ألا تكون جزءاً منها لا فاعلاً ولا مفعولاً به، ولا حتى شاهداً صامتاً، ربما النجاة تبدأ حقاً حين نقرر بصدق وحسم ألا نكون خاذلين أو مخذولين ولو لمرة واحدة.