أوبريت «الأرض الطيبة»

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

في عام 1980، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، أُنتج أوبريت «الأرض الطيبة»، وشاءت الظروف أن أكون معايشاً لتلك الفترة، وحكى لي والدي عنها الكثير. هذا الأوبريت عُرض في عهد الرئيس السادات، ومُنع في بداية عهد الرئيس مبارك، ثم أعيد مرة أخرى للإذاعة بعد إدخال بعض التعديلات عليه، ومنها تغيير صور الرئيس الراحل أنور السادات بصور الرئيس مبارك، وللأسف هناك أعمال فنية ترتبط بفترات زمنية سياسية ويأتي المسئول فيمنعها، ثم يجيزها مسئول آخر بعد تطويعها وتوفيق أوضاعها لتتناسب مع المسئول الجديد.

جمع أوبريت «الأرض الطيبة» بين والدي ممدوح الليثي وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والشاعر الغنائي حسين السيد والمخرج الكبير حسين كمال، وكان هذا العمل ميلاداً أيضاً لستة من النجوم المطربين، وكما روى لي والدي أنهم عندما اجتمعوا بالموسيقار محمد عبدالوهاب أخبرهم بأنه قرر إسناد بطولة هذا النشيد إلى ستة من المطربين الجدد الذين لم يعرفوا طريقهم بعد إلى شاشة التليفزيون أو أثير الإذاعة، وبدأ يرشح بعض الأسماء ممن ترددوا عليه في منزله وسمع أصواتهم، وكذلك رشح حسين كمال وحسين السيد ووالدي ممدوح الليثي بعض الأسماء، واستقر أخيراً محمد عبدالوهاب على ستة أسماء، ثلاثة من الرجال هم: توفيق فريد ومحمد ثروت ومحمد الحلو، ومن النساء سوزان عطية وزينب يونس وإيمان الطوخي، وبدأت إدارة الإنتاج في دعوة هؤلاء الستة لمقابلة والدي للتعارف وتوقيع العقود، ولم ينس والدي أبداً فرحتهم جميعاً عندما علموا أنهم سيشتركون في غناء نشيد من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأيضاً عندما وقّعوا عقوداً معه سيتقاضى بمقتضاها كل منهم خمسين جنيهاً بالتمام والكمال، بدأ الأستاذ عبدالوهاب، ومتبرعاً بأجره، في إجراء بروفات مع الموسيقيين على عزف وتوزيع موسيقى هذا النشيد مع المطربين الستة الجدد، كان والدي يحضر معه البروفات في بعض الأيام، وقد همس في أذنه سائلاً: من تتوقع له النجاح من هؤلاء؟ قال إنه يتوقع النجاح للستة، وعاد يسأله: من سيلمع أكثر «كلام في سرك»؟ قال من الشبان توفيق فريد ومن الشابات سوزان عطية، واستطرد يقول: سوزان عطية دي هتكون أم كلثوم لو حافظت على صوتها مرخصتوش.

استغرقت البروفات أوقاتاً كثيرة، وفي أحد الأيام التي لم يكن والدي حاضراً فيها لإحدى البروفات دق جرس التليفون في بيتنا، كان المتحدث الأستاذ محمد عبدالوهاب، وفي لهجة غاضبة قال: يا أستاذ ممدوح عايز نمرة تليفون المشير أبوغزالة، خير يافندم؟ رد بأسف شديد: الموسيقيون سابوا البروفة ومشيوا كل واحد راح يسترزق في حتة فرح أو نايت كلوب أو تسجيل مع مطرب من إخوانا العرب. وسأله والدي في دهشة: طب والمشير أبوغزالة هيعملهم إيه؟ رد بحماس: يجندهم في الجيش، يديهم أمر تكليف عسكري يقعدوا يشتغلوا معاي لحد ما النشيد ده يخلص، إحنا مش بنعمل عمل وطني ولّا إيه؟ وطلب والدي منه أن يمهله فترة قصيرة للتصرف، اتصل على الفور بالموسيقار أحمد فؤاد حسن، بصفته نقيب الموسيقيين، ليصرخ هو الآخر مستنجداً بوالدي: أنقذنا يا أستاذ ممدوح من محمد عبدالوهاب، أستاذ كبير آه، وموسيقار الأجيال على العين والراس، إنما اللي بيحصل مع الموسيقيين لا يقبله أحد، وإن شاء الله بسببه هخسر انتخابات النقابة اللي جاية.

وأخذ أحمد فؤاد يقص عليه كيف أن محمد عبدالوهاب استدعى الموسيقيين إلى صالة الصوت باستوديو مصر منذ عشرة أيام، وأنهم في الأيام الأولى ظلوا يعملون لمدة عشرين ساعة متواصلة دون أي اعتراض، خجلاً من محمد عبدالوهاب وتاريخه، وبعد كده بدأوا يزمزأوا، لو حسبتها هتلاقي الساعة واقفة على الواحد فيهم بعشرة صاغ، واتفق والدي مع الأستاذ أحمد فؤاد حسن على تجميع الفرقة في الغد لتعاود العمل، ووعده طبعاً بمضاعفة أجور الموسيقيين، وأعاد الاتصال بالموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب، وبادره على الفور: كلمت أبوغزالة؟ الموضوع حضرتك فهمته غلط، يظهر إن واحد من الموسيقيين راح بلغ زمايله إن حضرتك فركشت فمشيوا، وتساءل في براءة: ومين اللي عمل العملة السودة دي؟ ليرد والدي: هنعرف مين ونعاقبه.

استأنفوا البروفات مرة أخرى، بعد أن وعد والدي الأستاذ أحمد فؤاد حسن بمضاعفة أجور الموسيقيين، مكثوا أربعة أيام أخرى في صالة الصوت باستوديو مصر لإجراء بروفات لنشيد «الأرض الطيبة»، وهمس أحمد فؤاد حسن في أذن والدي: «عبدالوهاب عايش في أيام زمان، أيام (رصاصة في القلب)، و(لست ملاكاً)، لما كان بيعمل عشرين بروفة على الأغنية قبل التسجيل، ما يعرفش إن الدنيا اتغيرت وإن الموسيقيين يا دوبك يعملوا بروفة ولّا اتنين، ويسجلوا، ولايمنبي على الفكة»، وكتم والدي ضحكته وهو يسمع «عبدالوهاب» يقول للموسيقيين: «خلاص ناقص كمان تلات بروفات ونسجل المقطع»، والموسيقيون يكتمون غيظهم، يتبادلون معه ومع الأستاذ أحمد فؤاد حسن النظرات وهم ينظرون إلى ساعاتهم، فكل منهم مرتبط بأعمال أخرى، وانتصرت إرادة «عبدالوهاب» وتحقق الصعب، واستطاع أن يطبق على الموسيقيين ما كان يفعله في «الحب الأول» و«رصاصة في القلب» و«لست ملاكاً».

بدأ الأستاذ حسين كمال باستوديو بالتليفزيون إجراء بروفات تصوير لهذا النشيد، وقد استعانوا بالفنان الكبير محمود رضا وفرقته لأداء الاستعراضات، كانت المفاجأة بالنسبة لهم هي حضور الموسيقار محمد عبدالوهاب إلى الاستوديو للإشراف بنفسه على تصوير النشيد، وأعطى بعض توجيهاته للمطربين والمطربات الجدد، كيف يؤدون التعبيرات سواء بالوجه أو بالأيدي أثناء الأداء، استغرق تصوير هذا النشيد بالاستوديو ستة أيام، لم يتغيب محمد عبدالوهاب يوماً واحداً، بل كان وجوده يثير حماس المخرج حسين كمال ومصمم الاستعراضات الأستاذ محمود رضا والمطربين والمطربات الجدد، عُرض النشيد، وحقق نجاحاً كبيراً، وانطلق النجوم الستة، كلٌّ يأخذ حظه من النجاح وحسب مجهوده وحسب المساحة التي أرادها له الله، لمع محمد ثروت ومحمد الحلو أكثر مما لمع توفيق فريد، واستطاع محمد ثروت أن يقوم بأداء أغنية بمفرده، من تلحين محمد عبدالوهاب، وانطلق هو ومحمد الحلو في الغناء في عشرات الحفلات والمناسبات الوطنية، كذلك انطلقت أصوات سوزان عطية وإيمان الطوخي وزينب يونس، وكانت أكثرهن لمعاناً سوزان عطية، التي توقع لها الجميع، مثلما توقع لها محمد عبدالوهاب، أن تكون خليفة أم كلثوم.

وظل توفيق فريد يتردد على مكتب والدي ويطلب فرصاً مثل التي أُتيحت لزميليه محمد ثروت ومحمد الحلو، واتصل والدي بالموسيقار محمد عبدالوهاب، وقال له إنك تنبأت لهذا الشاب بأن يكون ألمع النجوم الثلاثة، فلماذا لم تمنحه فرصة الغناء من ألحانك مثلما فعلت مع محمد ثروت؟!، وطلب منه محمد عبدالوهاب أن يرسل له توفيق فريد في منزله، حضر توفيق فريد إلى مكتب والدي متهللاً، وبشّره بأن محمد عبدالوهاب سيقوم بتلحين أغنية له يكتبها عبدالوهاب محمد، وأن عبدالوهاب محمد وعده بتأليف الأغنية خلال شهر، توفي الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب، وتوفي الشاعر الكبير عبدالوهاب محمد، واختفى توفيق فريد قبل أن يغني لهما، كما اختفت من قبل سوزان عطية، ولم تتحقق نبوءة محمد عبدالوهاب بأن يكون توفيق فريد ألمع المطربين الثلاثة، وأن تكون سوزان عطية خليفة أم كلثوم.