حمدة العوضي تكتب: تأملات نقدية في رواية «كوم النور – عباس حلمي الثاني»

كاتب صحفي

تواصل الروائية ريم بسيوني مشروعها في الرواية التاريخية، مقدّمةً في «كوم النور – عباس حلمي الثاني» عملًا يمزج بين السرد الأدبي والتأمل النقدي في لحظة تاريخية فارقة من تاريخ مصر الحديث، ومن العنوان، تضع القارئ أمام مفارقة دلالية لافتة؛ إذ يحير اسم قرية كوم النور تلك القرية البسيطة في مقابل اسم الخديوي عباس حلمي الثاني بما تمثله من سلطة وهيبة، هذا التوتر بين الهامش والمركز لا يأتي اعتباطًا بل يشكّل مدخلًا سرديًا ذكيًا يستفز ذهن القارئ، ويدفعه إلى التساؤل عن طبيعة العلاقة بين المكان والشخصية، وبين الشعبي والرسمي، وبين التاريخ المروي والتاريخ المُعاش.

تعتمد بسيوني على استراتيجية استدعاء التاريخ بوصفه كيانًا حيًا فتُحيي الشخصيات والأمكنة داخل نسيج سردي نابض، يمنحها أبعادًا إنسانية وثقافية متعددة، فلا يظهر الخديوي بوصفه حاكمًا فحسب بل إنسانًا تتجاذبه التناقضات بين طموح الإصلاح وضغوط الواقع السياسي، وبين انتمائه الوطني وتعقيدات السلطة، وبين صورته في الذاكرة الشعبية وتمثلاته في السرد الرسمي، ومن خلال هذا التشكيل تنجح الكاتبة في تقديم صورة مركبة تتجاوز التبسيط، وتفتح المجال أمام قراءة أكثر عمقًا وإنصافًا للشخصية التاريخية.

وتتجلى قوة الرواية في قدرتها على المزج بين الوثيقة التاريخية والخيال السردي، إذ لا تُقدَّم الوقائع بوصفها معلومات جامدة بل تُعاد صياغتها ضمن بناء درامي متماسك يجعل القارئ مشاركًا في الحدث لا متلقيًا له فقط، كما تتسم اللغة بالسلاسة والمرونة، وتتنقل بين الوصف والتحليل دون افتعال بما يُعزز من حيوية النص ويمنحه طابعًا تأمليًا يجمع بين المعرفة والمتعة.

وتتسع الدائرة السردية لتشمل مجموعة من الشخصيات التاريخية والثقافية التي أسهمت في تشكيل المشهد، من بينها اللورد كرومر ومصطفى كامل إلى جانب شخصيات نسائية واجتماعية (كأمينة إلهامي ونعمة الله وجاويدان هانم وأبناء الخديوي وبناته) كان لها حضور مؤثر في مجرى الأحداث، وهذا التعدد لا يؤدي إلى التشتيت، بل يسهم في بناء لوحة تاريخية متكاملة، تُثري البعد الدرامي وتمنح الرواية طابعًا شبه موسوعي، يجعلها تقترب من التوثيق دون أن تفقد روحها الفنية أو جمالياتها السردية.

ومن الزوايا اللافتة في العمل إبراز مفهوم القيادة الصامتة حيث تكشف الرواية عن أساليب غير مباشرة في إدارة الأزمات، تعكس وعيًا سياسيًا عميقًا لدى الخديوي، وقدرته على المناورة في سياق سياسي شديد التعقيد، كما تسعى الكاتبة إلى إعادة الاعتبار التاريخي والإعلامي لهذه الشخصية من خلال تسليط الضوء على إسهاماتها في مجالات التعليم والعمران، ورعاية النخب الفكرية ومنهم طه حسين وتلميذته سهير القلماوي، ما يعيد طرحها ضمن سياق تاريخي أكثر توازنًا بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو السرديات الأحادية.

وعلى المستوى الجمالي، تمزج بسيوني بين السرد التوثيقي والبعد الوجداني، فتجعل من التاريخ كائنًا حيًا يتنفس بين السطور، لا مجرد أرشيف صامت، ويغدو النص في هذا السياق محاولة جادة لاستنطاق المسكوت عنه، وإعادة قراءة الماضي من زاوية إنسانية تُقدِّم الشعور على الحدث، وتمنح الشخصيات عمقها النفسي والاجتماعي، وتعيد الاعتبار لتجارب ظلت مهمشة في الوعي العام.

وختامًا، لا تكتفي كوم النور بإعادة سرد التاريخ بل تمارس فعلًا نقديًا يسعى إلى إنصاف الشخصيات وإعادة تقييمها، في ضوء معطيات إنسانية وثقافية أوسع، وهي بذلك تفتح أفقًا للتساؤل النقدي: هل يُقاس الدور الوطني بما يُعلن في السجلات الرسمية، أم بما يُخفى في تفاصيل التجربة الإنسانية وتقاطعاتها المعقدة؟

حمدة العوضي

أستاذة وباحثة دكتوراه في النقد الحديث بجامعة الشارقة