هوامش على دفتر المفاوضات
وانتهت الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد بين الطرفين الإيراني والأمريكي برعاية باكستانية ووساطات مصرية وتركية، ورغم اتساع الفجوة ما بين المواقف المعلنة بين الطرفين، إلا أن التصريحات التي خرجت حول مشهد النهاية جاءت متضاربة، طرف يصفها بالفشل، وآخر يراها ناجحة، وثالث يراها خطوة مهمة نحو الاتفاق النهائي!
يقول المثل الشهير «عندما تبدأ الحرب تكون الحقيقة أولى الضحايا»، ضبابية مشهد التفاوض الأخير، ما هي إلا امتداد لضبابية أكبر تحيط بالمشهد ككل، لا يعلم أحد تحديداً ما هي الأسباب الحقيقية لهذه الحرب، كما لا يعلم أحد هل مضيق هرمز مفتوح أم مغلق؟، مفخخ بالألغام البحرية أم لا؟، وهل تعرض البرنامج النووي الإيراني لضرر هيكلي فادح؟، وهل قضى ترامب فعلاً على القدرات الصاروخية الإيرانية؟، وهل حققت أمريكا أهدافها المعلنة وغير المعلنة من هذه الحرب؟!
ولا تتضارب الأنباء والتصريحات وحدها حول حقيقة ما حدث في هذه الحرب، تتضارب أيضاً تقارير المؤسسات الأمريكية ذاتها، فتقارير وزارة الحرب (الدفاع سابقاً) تشير لانتصارات ميدانية حاسمة، وأن إيران تفكر في الاستسلام ربما اليوم أو غداً، إن لم تكن قد استسلمت بالفعل، في حين تتحدث تقارير الاستخبارات عن عدم تأثر إيران بستة أسابيع من القصف المتواصل، حيث لا أدلة على قرب انهيار النظام الإيراني، ولا عن تضرر البنى التحتية العسكرية المحصنة أسفل الجبال، ما يعني أن البرنامجين النووي والصاروخي ما زالا يعملان بكفاءة، إضافة إلى تلقيها دعماً استخباراتياً ومعلوماتياً وعسكرياً من قوى دولية عظمى، وكلها أنباء لا تشير لنهاية قريبة لهذا الكابوس!
كان من المضحك جداً أن تتحدث أمريكا عن عدم قانونية المطالب الإيرانية بالسيطرة على مضيق هرمز، تلك السيطرة التي ما كانت لتحدث لولا الحرب الأمريكية، حيث تعتبر أزمة المضيق نتيجة للحرب لا سبباً لها، فضلاً عن أن الحرب ذاتها عمل غير قانوني وغير مبرَّر، عندما تلجأ لعمل عسكري غير قانوني وتفشل في تحقيق أهدافك، عادة ما يكون الناتج الطبيعي لذلك وضعاً جديداً غير قانوني متدثراً بالشرعية العسكرية فقط، ما يعني أن استعادة الأوضاع القانونية مرة أخرى ستستغرق وقتاً وجهداً وتكلفة سيتحملها المتضررون وليس المتسببون في هذه الفوضى، إضافة إلى المزيد من عدم الاستقرار الإقليمي وتبعاته الاقتصادية المدمرة!
كما تعارضت الأجواء الإيجابية بين الفريقين أثناء جولات التفاوض، مع التحركات العسكرية المنفردة التي قامت بها أمريكا لفتح مضيق هرمز، وتعارضت أيضاً مع قرار الرئيس ترامب بحصار إيران بحرياً، لسنا بصدد النقاش عن مدى إيجابية هذا القرار، لكن المؤكد أنه تصعيد لا يخدم الأجواء الإيجابية للتفاوض، وسط أنباء عن جولة ثانية محتملة قريباً في إسلام آباد!
وتبقى النقطة المضيئة وسط هذا الضباب، وهي الإشادة بالدور المصري الفاعل والمهم في خلق مسار سياسي يخفف كثيراً من حدة المواقف الإعلامية والعسكرية، ويخلق أملاً في الوصول لنهاية قريبة لهذه الحرب التي أثرت سلباً على العالم أجمع، أثبتت مصر عبر قيادتها للوساطة إيمانها الراسخ بالسلام، وأن التفاوض هو الطريقة المثلى لحل المشكلات بين الدول، فضلاً عن امتلاكها قنوات اتصال قوية مع جميع الأطراف.
ورغم الضباب المحيط بالحرب والتفاوض، إلا أن هناك حقيقة مؤكدة، وهي أن كلا الطرفين قد أنهك جراء الأعمال العسكرية، كلاهما أيضاً يبحث عن سلم ينزل به من فوق الشجرة التي صعد إليها، ورغم الخلافات الكبيرة، إلا أن الرغبة في الوصول لاتفاق لدى الجانبين هي المؤشر الإيجابي الوحيد على استعدادهما لدفع تكلفة السلام، هذا هو الشيء الحقيقي الوحيد في المشهد بأكمله!