التوازن لا يحتمل ترف الانتظار
من المؤكد تاريخياً أن النظام الدولي لم يكن، في أي مرحلة من مراحله، مثالياً أو خالياً من التناقضات، لكنه كان -على الأقل- قادراً على توفير الحد الأدنى من التوازن الذي يمنع الانزلاق إلى الفوضى الشاملة.
لكن ما نشهده اليوم، من خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يشير بوضوح إلى أن هذا الحد الأدنى ذاته بات مهدداً، إن لم يكن قد تآكل بالفعل.
وفي قلب هذه الأزمة تقف الأمم المتحدة، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لتكون الضامن الرئيسي للسلم والأمن الدوليين، لكنها تبدو اليوم عاجزة عن أداء هذا الدور، ليس بسبب نقص في الشرعية، وإنما نتيجة اختلال عميق في آليات اتخاذ القرار داخلها، وعلى رأسها مجلس الأمن.
فحق النقض (الفيتو)، الذي كان يُفترض أن يكون أداة لحماية التوازن ومنع الانفراد بالقرار، تحوَّل تدريجياً إلى وسيلة لتعطيل الإرادة الدولية، وشل قدرة المنظمة على التدخل الفعال في الأزمات الكبرى.
ومع تكرار استخدام هذا الـ«فيتو» في قضايا مصيرية، فقدَ مجلس الأمن الكثير من مصداقيته، وتحول هو ذاته إلى ساحة للصراع بين القوى الكبرى، وليس منصة لحل النزاعات.
وفي ظل هذا الشلل المؤسسي، لم يعد أمام الدول سوى الاعتماد على قوتها الذاتية، أو على تحالفات ضيقة، بدلاً من التعويل على منظومة دولية لم تعد قادرة على حمايتها، وهنا يتغير منطق العلاقات الدولية.. من نظام تحكمه القواعد، إلى واقع تحكمه موازين القوة.
الحرب على إيران جاءت لتكشف هذه الحقيقة بوضوح، فبدلاً من أن تتحرك المؤسسات الدولية لاحتواء التصعيد، بدا المشهد وكأن العالم خالٍ من أطر الشرعية الدولية، حيث تتقدم الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى على أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية.
وما يهمنا أن هذا التحول لا يمثل فقط أزمة في النظام الدولي، لكنه ينعكس بشكل مباشر على الأمن القومي العربي.
والدول العربية، التي طالما راهنت -بدرجات متفاوتة- على دور المجتمع الدولي في تحقيق التوازن، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد، بلا مظلة دولية يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل، ولا ضمانات حقيقية في مواجهة التهديدات المتصاعدة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة التفكير في موقع العالم العربي داخل هذا النظام المتغير، ليس كمتلقٍ للقرارات، بل كفاعل يسعى إلى صياغة جزء من قواعد اللعبة، وهو ما يتطلب الانتقال من مربع رد الفعل إلى مربع المبادرة.
ويمكن تلخيص ملامح هذا التحول في خمسة أبعاد رئيسية:
أولاً: تراجع فاعلية المؤسسات الدولية في إدارة الأزمات.
ثانياً: تصاعد دور القوى الكبرى على حساب الشرعية الدولية.
ثالثاً: عودة منطق القوة كحاكم أساسي للعلاقات الدولية.
رابعاً: انكشاف الدول المتوسطة أمام التهديدات المركبة.
خامساً: ظهور الحاجة إلى بناء أطر إقليمية بديلة لتعويض الفراغ الدولي.
من هنا تكتسب الدعوات إلى تعزيز العمل العربي المشترك بُعداً يتجاوز الإطار الإقليمي، ليصبح جزءاً من إعادة التوازن إلى النظام الدولي نفسه.
وكلما تمكنت الأقاليم من تنظيم نفسها وبناء قدراتها الذاتية أصبحت أكثر قدرة على التفاوض والتأثير في المعادلات الكبرى التي تتبدل بصورة متسارعة.
وفي هذا الإطار تبدو مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي بإنشاء قوات عربية مشتركة متسقة مع روح المرحلة، لأنها تعكس بوضوح إدراكاً عميقاً بأن الفراغ الذي يتركه النظام الدولي لا يمكن ملؤه إلا عبر ترتيبات إقليمية أكثر صلابة وأقوى تماسكاً.
إن العالم يمر بمرحلة انتقالية لم تتشكل ملامحها النهائية بعد، لكن المؤكد أن القواعد القديمة لم تعد صالحة، وأن التوازنات التي حكمت العقود الماضية تتعرض لإعادة تشكيل جذرية.
ووسط هذه التحولات، لا تملك الدول العربية ترف الانتظار، فإما أن تكون جزءاً من عملية إعادة البناء، أو أن تجد نفسها خاضعة لنتائجها فقط.
المشهد يكشف أن العالم فقد توازنه، والسؤال الآن: هل يستطيع العرب استعادة توازنهم؟، والإجابة ليست سهلة حتى الآن، لكنها مطلوبة في أسرع وقت ممكن، وما أخشاه أن نتبادل الاتهامات بضياع الفرصة بعد أن تسكت المدافع.