الهاربون من الحرب إلى جحيم الصحراء التشادية.. صرخات السودانيين المنسية في «ممر الموت»

كتب: محمد عبد العزيز

الهاربون من الحرب إلى جحيم الصحراء التشادية.. صرخات السودانيين المنسية في «ممر الموت»

الهاربون من الحرب إلى جحيم الصحراء التشادية.. صرخات السودانيين المنسية في «ممر الموت»

لم تكن شمس الفاشر في الأشهر الماضية تشبه تلك التي اعتادها السودانيون، فقد توارت خلف سحب كثيفة من غبار القذائف والدخان، فلم تعد المدينة عاصمة لشمال دارفور فحسب، بل تحولت إلى ثقب أسود يبتلع كل ما هو حي، لم تعد الساعة تقاس بحركة العقارب، بل بوقع الانفجارات التي ترج جدران البيوت، وبصمت الجوع الذي بدأ ينهش أمعاء المحاصرين.

هناك، حيث تلتقي رائحة البارود برائحة الخوف، بدأت قوافل الهاربين من العدم رحلتها في محاولة يائسة لانتزاع الأرواح من بين فكي الموت، انطلقوا من أحياء الفاشر ومن مخيم «زمزم» السوداني المكلوم، يجرون خلفهم ذكريات بيوتهم التي صارت ركامًا، وأحلامًا تحولت إلى رماد، ليدخلوا في نفق طويل ومظلم يمتد عبر وديان وجبال وعرة، وصولًا إلى مخيم «أوري كاسوني» في قلب الصحراء التشادية.

هذا المسار لم يكن مرسومًا بالخرائط، بل بآثار أقدام دامية، وبأجساد منهكة، وبدموع نساء صمتت صرخاتهن أمام فوهات البنادق، هي رحلة «تجارة النجاة» التي سُلب فيها كل شيء، المال، والذهب، والكرامة، ولم يبق للواصلين للحدود سوى أنفاسهم المتعبة، وحكايات ترويها العيون قبل الشفاه.

من الفاشر إلى صحراء تشاد.. رحلة عبر ممرات الموت

بدأت نقطة الانطلاق في رحلة الهروب من مدينة الفاشر غرب السودان، وهي عاصمة ولاية شمال دارفور، ثم مخيم زمزم للنازحين الداخليين، وهي نقطة تجمع كثيرين من اللاجئين السودانين الذين اتخذوا من مخيم «أوري كاسوني» حضنًا لهم، هناك في «زمزم» تعرضوا للهجوم والنهب من قوات الدعم السريع.

يمر النازحون بطريق عرف بـ«ممر الموت»، من مدينة الفاشر إلى «طويلة»، وهي مدينة بولاية شمال دارفور، هناك تنتشر الارتكازات المسلحة، والمخاطر تكون، النهب والضرب والقتل المباشر لمن لا يدفع الأموال، وانتهاكات جسدية ضد النساء والفتيات.

مثلت تلك المنطقة محطة انتظار قسرية لكثيرين، هناك، قضى البعض شهورًا يبحثون عن مفقوديهم، بينما اضطر آخرون لترك عائلاتهم مؤقتًا لتأمين ممر آمن، وهنا دفع النازحون مبالغ مالية لوسطاء وقادة ميدانيين مقابل تنسيق خروجهم عبر طرق آمنة نسبيًا وصولًا إلى الحدود التشادية.

ولتجنب الموت المحقق في الارتكازات الرئيسية، سلك النازحون مسارات بديلة قاسية، شمل المسار المرور بمنطقة الجبال الوعرة، ثم الالتفاف عبر مخيم «سورتوني»، وهو أحد معسكرات النازحين الرئيسية في ولاية شمال دارفور، ووصولًا إلى «كبكابية»، مدينة في ولاية شمال دارفور.

في هذه المرحلة، كانت المعاناة هي المشي لمسافات طويلة بلا طعام أو ماء نظيف، والاعتماد على مياه الوديان الملوثة لسد العطش.

كشفت الشهادات عن جانب مظلم في الرحلة، وهو تجارة النجاة، حيث يضطر النازحون لدفع مبالغ مالية لوسطاء أو قيادات ميدانية لتأمين ممر آمن عبر المناطق الخطرة وصولًا إلى الحدود، هذه المرحلة شهدت ضياع رأس المال الأخير للأسر، حيث وصلوا للحدود وهم لا يملكون ثمن وجبة واحدة.

تمثل منطقتا الطينة السودانية والطينة التشادية المحطة الأخيرة، العبور يتم عبر الوادي الذي يفصل الدولتين، وتبدأ مرحلة الاستقبال الأولى في الجانب التشادي، حيث يوضع النازحون في مراكز مؤقتة قبل نقلهم إلى الوجهة النهائية، وتنتهي الرحلة في «أوري كاسوني»، لتبدأ رحلة أخرى من المعاناة.

مخيم أوري كاسوني، يقع في شمال شرق تشاد قرب الحدود مع السودان، أنشئ عام 2004 لاستقبال لاجئين من دارفور، ويبعد المخيم نحو 7 كيلومترات فقط عن الحدود السودانية، وهو ما جعل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعتبره موقعًا حساسًا أمنيًا.

يستضيف مخيم أوري كاسوني حاليًا أكثر من 114 ألف لاجئ سوداني في حوالي 18.970 أسرة، وقد وصل نحو 77 ألف منهم على الأقل بعد أبريل 2023، ونحو 18 ألف لاجئ فروا من السودان بعد أكتوبر من العام الماضي، وحوال 8 من كل 10 من الوافدين الجدد هم من النساء والأطفال، وفقًا لتأكيدات الأمم المتحدة، لـ«الوطن».

في المقابل، كان حجم النزوح هائلًا، فقد فر حوالي 919 ألف لاجئ سوداني إلى تشاد منذ أبريل 2023، وأصبح واحد من كل 3 أشخاص في الشرق لاجئًا (حيث مكان وجود المخيم)، وهذا يُعد من أسرع معدلات النزوح في العالم.

اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، عندما انفجر الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم وامتد سريعًا إلى مدن دارفور ومناطق واسعة من البلاد، بعد أشهر من التوترات السياسية والمفاوضات، وهي الحرب التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا والمصابين.

وبعد أكثر من 3 سنوات على الحرب في السودان، تحول مخيم «أوري كاسوني» إلى ملاذ آمن فقط من القصف، لكنه ليس بعيدًا عنهم، حيث استُبدل ضجيج الطائرات بصمت الجوع القاتل، وتحولت النجاة من الشظايا إلى معركة يومية ضد بيئة ترفض الحياة.

يعاني اللاجئون السودانيون في مخيم أوري كاسوني من ظروف معيشية قاسية، ونقص حاد في الموارد الأساسية مثل المياه النظيفة والغذاء والمأوى، وتفشي الأمراض وتردي الأوضاع الصحية والبيئي.

وسط الوجوه الهاربة من الحرب، تجولنا في مخيم «أوري كاسوني» بعدسات بعض اللاجئين والمسؤولين الإنسانيين، حياة تحمل معها جروحها وأحلامها الممزقة، تبحث عن الأمان، ولو لحظة قصيرة، وهنا تبدأ الحكايات التي ترويها العيون والقلوب، قصص الألم والأمل، النسيان والبحث عن الحياة.

لم تتمكن «الوطن» من التحقق بشكل مستقل من جميع التفاصيل الواردة في الشهادات الميدانية نظرًا لصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع وتعدد مسارات النزوح واتساع رقعة الأحداث، إلا أن تقاطع حكايات الناجين مع إفادات عاملين في المجال الإنساني، إلى جانب ما ورد في تقارير أممية، يمنح قدرًا من الاتساق والموثوقية لما ورد من تفاصيل.

لم تكن هذه الحكايات مجرد أرقام في تقارير النزوح، بل وجوه وأصوات حقيقية، من بينها حكاية تيمان سليمان محمد، لاجئة سودانية، تختصر رحلة مدينة كاملة نحو المجهول، تقول إن لليوم إيقاع ثابت، عشر قذائف تزلزل الأرض في الصباح، وثمانٍ أخرى تعلن قدوم المساء.

مخيم أوري كاسوني

شهادات من الجحيم.. «تيمان» ورحلة الخروج من الفاشر

كان منزل أسرة اللاجئة السودانية تيمان سليمان يقع قرب الارتكازات العسكرية الحيوية في عاصمة شمال دارفور، وفي أكتوبر الماضي، ومع ضيق الخناق، حزمت ما تبقى من ذكريات عائلتها، تقول: «لم تشعر بالأمان، غادرنا إلى مخيم زمزم، ومكثنا هناك تحت الأشجار في البداية لعدم توفر مأوى».

بدأت رحلة الهروب نحو مخيم زمزم، الذي يقع على بعد 5 كيلومترات فقط من منزلها، رحلة قصيرة على الخريطة لكنها كانت محفوفة بالمخاطر، حيث كان على كل نازح أن يحمل أطفاله وأمتعته على الرأس أو يستخدم الدواب والعربات التقليدية لنقل ما تبقى من حياتهم، وسط قصف مدفعي مستمر وانعدام أي حماية حقيقية.

تقول: «اضطرينا لحفر خنادق عميقة علشان نحمي أنفسنا، اعتمدنا على أعواد خشب وكراتين وأحيانًا أبواب حديدية مغطاة بالتراب، لكن الخنادق لم تحمينا من سقوط القذائف مباشرة، فقط من الشظايا المتطايرة».

تتذكر «تيمان» عائلة مجاورة مكونة من 12 فردًا، سقطت قذيفة غادرة واحدة، فمُسح المنزل من الوجود، قُتل 10 منهم في لمح البصر، وخرج الناجون بأجساد ممزقة وأطراف مبتورة، في مشهد يختزل الرعب اليومي الذي عاشه سكان المخيم.

اضطر عدد من الشباب في السودان لحمل السلاح لحماية أسرهم وجيرانهم في مخيم زمزم، والعديد من المناطق بالفاشر، رغم عدم معرفتهم الكافية باستخدام السلاح: «ذهبوا للوقوف في الارتكازات التابعة للقوات المشتركة، وذلك لحماية مناطقنا، فكانوا يُستهدفون ويُقتلون في تلك المواقع».

يطلق السودانيون على القوات المشتركة لفظ «تورو بورو»، وهو المصطلح المحلي لمقاتلي الحركات المسلحة، لم تكن لديهم خبرة قتالية، فصاروا أهدافًا سهلة في نقاط التفتيش، حيث سقط الكثير منهم وهم يحاولون فقط تأمين المخيم.

تقول «تيمان»: «في الفاشر، كان الخوف والقلق يملآن أركان حياتنا، حتى أننا لم نتمكن من إخراج أي شيء من أمتعتنا، وكل ما نملك كان محاصرًا بين خوفنا والموت المحتمل في كل لحظة، وعندما وصلنا إلى مخيم زمزم، وجدنا أنفسنا أمام تحد آخر، فالحياة هناك لم تكن سهلة، وكانت لقمة العيش اليومية معركة مستمرة، كان لدينا بعض الغنم وقليل من محصول الذرة، الذي نضطر لسحقه وطحنه لنجمع القليل من الطعام».

أسرة سودانية

اقتحام مخيم زمزم بالسودان.. والخروج نحو تشاد

ومع تصاعد الهجوم على مخيم «زمزم»، دخلت قوات الدعم السريع من عدة اتجاهات، ومعها سيارات مسلحة وطائرات مسيرة وقذائف مدفعية كثيفة، ما أجبر أصحاب الارتكازات على الفرار، وظلت الأسر النازحة عالقة بلا طعام أو ماء تقف على شفا الموت ملتصقة بالأرض تحتمي من القصف والرصاص، متوسلة للنجاة بين انفجارات القذائف.

في صباح أحد الأيام، قررت «تيمان» وأسرتها الخروج نهائيًا من مخيم زمزم، بدأت تيمان رحلة الهروب الكبرى نحو الحدود التشادية، وخاصة مخيم «أوري كاسوني»، لم يكن الطريق مجرد مسار جغرافي، بل كان مسرحًا للتنكيل، حيث واجهوا مطاردة بالدراجات النارية من مسلحي الدعم السريع، ثم ينهبون ما تبقى من أمتعتهم الصغيرة، يفتشونها ويهددونهم بالقتل، ويصرخون بكلمة سودانية «تلو.. تلو» وتُعني «أسرع.. أسرع»، لتسريع خطاهم.

عبرت الأسرة أكثر من 30 نقطة تفتيش، وفي كل بواب، كان الثمن يُدفع دمًا أو مالًا، تصف «تيمان» مشاهد مروعة لا تفارق مخيلتها: «رأينا رجالاً يُذبحون أمام أعيننا، وجمالاً يُقتل أصحابها بدم بارد، كانت الدماء تغطي الطريق وكأنها مياه جارية، واضطررنا للسير فوقها لننجو».

استمرت الرحلة الشاقة عبر التضاريس، وعند الفجر، أوقفهم المسلحون واقتادوا الشباب وضربوهم بالعصي وأغصان الشجر لساعات، متهمين إياهم بالتبعية للجيش، حينها، لم يملك النساء سوى البكاء والتوسل تحت جنح الظلام حتى أُفرج عنهم مع شروق الشمس.

واصلت «تيمان» وأسرتها السير حتى وصلوا إلى منطقة «السريف»، هناك، ظهر نوع آخر من الاستغلال، أحد الزعماء المحليين طلب من أصحاب القوافل 7 شاحنات محملة بالنازحين ودفع 7 مليارات جنيه سوداني مقابل «الحماية» والأمان خلال الطريق.

في البداية بدا الرجل وكأنه يقدم المساعدة، وكأنه سيؤمن لهم المرور بسلام، لكن سرعان ما اكتشفوا أن ما يفعله ليس أكثر من فخ مدروس، حيث قادهم إلى كمائن نصبها أشخاص تابعون له، بهدف سرقة ما تبقى من أمتعتهم وممتلكاتهم، الرحلة التي كان يفترض أن تمنحهم الأمان تحولت مرة أخرى إلى اختبار للبقاء.

وأخيرًا، غادرت مع أسرتها الحدود السودانية ووصلوا إلى مخيم «أوري كاسوني»، لكنها، وجدت نفسها في بحر من الخيام البائسة الممتدة فوق أرض جافة ومتشققة، هنا، استبدلت «تيمان» قذائف الفاشر بصعوبة العيش في الصحراء، حيث يلتصق الطين بالأقدام في موسم الأمطار، وتوزع المياه بدلاء صغيرة لا تكفي سد الرمق، وسط اكتظاظ سكاني تنفد فيه المساعدات قبل أن تصل إلى أطراف المخيم.

نجت «تيمان» وأسرتها بأجسادهم، لكنهم وصلوا إلى تشاد بأرواح مثقلة، أطفال يحملون خوفاً دائمًا من أي صوت مرتفع، وأحلام تحطمت تحت وطأة الرحلة التي كانت الدماء فيها هي المعلم الوحيد للطريق.

لم تكن رحلة «تيمان» مجرد حكاية نجاة فردية، بل نموذجًا مكثفًا لمسار بات يتكرر آلاف المرات على امتداد غرب السودان، حيث تتحول طرق النزوح نفسها إلى مساحات منظمة للابتزاز والعنف.

تجارة النجاة.. فخ للإيقاع بالفارين من الحرب

يقول عاملون في المجال الإنساني تابعون لمنظمات أممية تعمل داخل المخيم، إلى جانب سكان محليين، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم لحساسية المعلومات، إن بعض الفارين من مناطق القتال تعرضوا للاحتجاز خلال رحلتهم نحو تشاد، خاصة في مناطق شهدت انتشارًا لعناصر من قوات الدعم السريع، حيث يتم توقيف مدنيين واحتجازهم وطلب فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم والسماح لهم بمغادرة السودان، وهو أمر يُعرف بـ«تجارة النجاة».

وبحسب هذه الشهادات، قد تصل الفدية إلى ملياري أو ثلاثة مليارات جنيه سوداني، وفي بعض الحالات ترتفع المطالب إلى ما بين عشرة وثلاثين مليارًا، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم العائلات التي فرت أصلًا من الحرب بلا مال أو ممتلكات.

ويقول أحد العاملين مع اللاجئين إن الأسر المحتجزة تعتمد على أقارب داخل السودان أو خارجه لجمع المال، وغالبًا ما يتم تحويل المبالغ عبر وسطاء محليين، وأضاف أن التهديد يكون صريحًا في بعض الحالات: «إذا لم تُدفع الفدية، قد يتم قتل الأسير».

لا توجد أرقام رسمية حول حجم هذه الظاهرة، لكن روايات متكررة داخل المخيم تشير إلى أن الابتزاز أثناء طريق النزوح أصبح جزءًا من تجربة كثير من اللاجئين، خصوصًا القادمين من مناطق غرب السودان.

حكاية «فتحية» وأسرتها.. ذاكرة الحرب من الفاشر إلى الصحراء

خلف «تجارة النجاة»، تختبئ حكايات أكثر قسوة، حيث لا تعكس الشهادات المأساوية سوى جزء ضئيل من حجم الألم الذي عاشه الفارون من الحرب.

كانت «فتحية» يوسف هارون تتحدث وهي تستعيد، واحدةً تلو الأخرى، محطات هروب طويلة بدأت من الفاشر ولم تنته إلا عند مخيم أوري كاسوني.

في صوتها كانت تعيش الحكاية من جديد، القصف، الخنادق، الركض تحت النار، ثم حياة أخرى، يلمؤها الخوف والجوع والاعتداء والضياع.

تقول «فتحية» إنها كانت تعيش في الفاشر بأمان نسبي قبل أن تندلع الحرب، ثم بدأ كل شيء يتبدل على إيقاع الاعتقالات والقصف بقذائف الهاون والمدفعية الثقيلة، الطائرات المسيّرة كانت تحوم في السماء، والانفجارات كانت تضرب الأحياء بلا انتظام ولا رحمة.

ومع اشتداد المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد البيت ملاذًا، فاضطرت الأسرة إلى حفر خنادق داخل المنازل والاختباء فيها كلما بدأ القصف.

في الخامس من ديسمبر الماضي، خرجت الأسرة من الفاشر إلى مخيم زمزم بحثًا عن الأمان، ثم الرحيل إلى تشاد، حينها، لم يكن معهم سوى حمار واحد، وضعوا عليه الصغار وبعض الأمتعة، كانوا يمشون تحت شمسٍ حارقة، يبللون حناجرهم بالقليل من الآبري المخلوط بالماء داخل «جركن» بلاستيكي، ويشربون منه بجرعات صغيرة لأن العطش كان أكبر من قدرتهم على التحمل.

في الطريق، كان الموت حاضرًا كأنه جزء من المشهد اليومي، تقول «فتحية» إن قوات الدعم السريع كانت تعزل الرجال لقتلهم، وتغتصب الفتيات، وتضرب الأطفال، وتنهب كل ما يقع تحت أيديها، النقود والهواتف والذهب، وحتى ما تبقى من متاع بسيط يحمله النازحون فوق رؤوسهم.

ويقول خبراء في القانون الدولي الإنساني إن هذه الأنماط، إذا ثبتت بشكل ممنهج، قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف، التي تحظر استهداف المدنيين والاعتداء الجنسي أثناء النزاعات المسلحة.

فتحية

إصابات وشظايا تلاحق الناجين حتى المخيم

بعد وصولها إلى «أوري كاسوني»، تقول إن جسدها الذي وصل لم يكن كما خرج، فقد أُصيبت «فتحية» بشظايا قذيفة مدفعية، وشاركها الإصابة أربعة من أطفالها، أحد أبنائها الصغار أصيب بكسر في الفخذ والرجل، وما زال يمشي بعكاز.

أما الأطفال الآخرون، فتقول إنهم يعيشون صدمة لا تفارقهم، فصوت سيارة أو ضجيج مفاجئ أو حتى صوت مرتفع من التلفاز يكفي ليجعلهم يصرخون: «الطائرة جاءت»، ثم يهربون للاختباء.

في المخيم، لم تهدأ المعاناة، فالماء شحيح، والمستنقعات القريبة ملوثة، والكلور الذي يُستخدم أحيانًا لتنقيتها، كما تقول، إما زائد فيجعل الماء مرًا غير صالح للشرب، أو ناقص فلا يعقمه، والنتيجة أمراض كلوية وإسهالات مزمنة، من دون علاج كافٍ.

تقول إن البعوض يتنشر حول المياه الراكدة، والمراحيض شبه معدومة، فيلجأ الناس إلى العراء خلف الأشجار، فتتكاثر الأمراض عبر الذباب والبيئة الملوثة، أما الغذاء، فما يقدمه برنامج الغذاء العالمي والمنظمات الأخرى، بحسب روايتها، لا يكفي حاجة الأسرة.

أثناء الحديث، تذكرت «فتحية» المشهد الذي لا يغادرها، يوم قصف منزلهم، حيث قتل 5 أشخاص داخله، بينما أصيبت هي نفسها بشظايا في ساقها، ولم يتبق من المنزل سوى الركام، بينما هرب العديد منهم بالملابس التي كانت عليهم فقط.

وتضيف أن الفقد استمر حتى في زمزم، حيث قُتل زوج أختها وابن أخيه وجارهم، ثم قُتل شقيقها أمام أعينهم، وامتلأت الطرقات بدماء لا تُمحى من الذاكرة.

اليوم، تقول «فتحية» إن اللجوء لم يترك لها البيت فقط، بل ترك في أطفالها خوفًا يسكن الجسد والنوم معًا، بعضهم يتبول على نفسه ليلًا من شدة الفزع، وهي نفسها لم تعد تحتمل صوتًا عاليًا أو ارتطامًا مفاجئًا.

كانت في الفاشر امرأة تعمل تاجرة في السلع التموينية، تملك حسابًا في البنك وذهبًا ومدخرات، وابنتها الكبرى في الجامعة، وبناتها الأخريات في المراحل الدراسية المختلفة: «كل حاجة ضاعت، فقدنا كل شيء، لا رأس مال، لا بيت، لا تعليم، لا أمان، ونعيش الآن فقط على ما يمده الناس لنا من فتات البقاء».

المخيمات

تجارة المخدرات بمخيم «أوري كاسوني» هربًا من الاكتئاب

لا يقتصر الأمر على تلك الانتهاكات فقط، بل يتاجر بعض اللاجئين السودانيين في المخدرات، يقومون بتهريبها من نيجيريا بطرق ملتوية ومختلفة، ويبيعونها في المخيم، ويقول أحد المصادر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: «يلجأ الشباب السوداني في المخيم إلى المخدرات، مثل الترامادول، بسبب معاناتهم من حالات نفسية سيئة واكتئاب بسبب الحرب»، مؤكدًا أن سلطات تشاد تعمل على مكافحة تجارة المخدرات داخل المخيم.

ولم ترد الحكومة التشادية على طلبات التعليق والاستفسار بشأن تجارة المخدرات، كما لم يرد المتحدث باسمها على طلبات التعليق.

يقول مسؤول في منظمة أممية، إن الانتهاكات المرتبطة بالمجتمع المستضيف تظل من أكثر الملفات حساسية، وغالبًا لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بأزمات الغذاء أو النزوح، وأضاف: «هذه قضايا معقدة، لأن المخيم يعتمد على الدولة المستضيفة، ومن الصعب فتح مواجهات مباشرة حول سلوك أفراد من المجتمع المحلي».

يقول إسماعيل حسن صغيرون، المدير العام لمنظمة «إعادة الأمل للإنسانية - Re Hope»، إن المخيم يعاني من نقص حاد في كافة جوانب الحياة، من مياه الشرب والغذاء وصولًا إلى الصحة والتعليم والحماية.

وأوضح «صغيرون»، خلال حديثه مع «الوطن»، أن المنظمة تعمل مع شركائها لمحاولة سد هذه الفجوات، حيث استفاد نحو 5 آلاف لاجئ من برامج توفير المواد الغذائية، خاصة في المواسم الدينية مثل رمضان والعيد، بالإضافة إلى محاولات تدريب النساء على أنشطة مدرة للدخل لكسر حلقة العوز.

ويشير «صغيرون» إلى أن المنظمة تضع حماية اللاجئين ضد الاعتداء الجنسي والعنف المبني على النوع الاجتماعي على رأس أولوياتها، عبر برامج توعية تهدف لتحصين النساء والفتيات اللواتي يجدن أنفسهن في بيئة هشة تفتقر لأدنى مقومات الحماية والخصوصية.

المخيم

حكاية «آدم».. أرواح منقسمة بين المنفى والفقدان

في هذا الواقع، لا تتوقف الخسارة عند حدود ما فُقد في الطريق، بل تمتد لتشمل ما يتبقى من الروابط الإنسانية نفسها، فبين آلاف الناجين، هناك من وصلوا بأجسادهم فقط، بينما تركوا خلفهم عائلات معلقة بين الحياة والموت.

في الخامس عشر من يونيو 2024، ذلك التاريخ هو اللحظة التي انقسمت فيها حياة آدم عبد الجبار إلى نصفين، نصف يحاول العيش في شتات الصحراء التشادية، ونصف ضائع لا يزال يبحث عن زوجته وطفله الوحيد في الرماد السوداني.

يقول «آدم»، وهو يستعيد ذكريات الهروب الكبير من الفاشر إلى مخيم «أوري كاسوني» بتشاد: «فررنا برؤوسنا فقط»، وهي عبارة تختزل الرعب الذي جعل الناس يتركون خلفهم كل شيء، في محاولة يائسة للنجاة من رصاص ينهمر من كل اتجاه وصواريخ لا تفرق بين مقاتل وطفل: «الناس كانوا يحاولون النجاة بما تبقى لديهم، من شدة الرعب، كان الناس يفرون برؤوسهم فقط».

لم يكن الطريق من مخيم زمزم إلى منطقة «طويلة» مجرد رحلة نزوح، بل كان اختبارًا وحشيًا للبشرية، يروي آدم مشاهدات تقشعر لها الأبدان: «رأيت القتلى والجرحى يتساقطون أمام عيني بسلاح ناري، حتى الأطفال لم ينجوا، قتلتهم الغارات الجوية وهم يحاولون الفرار».

وفي ظل هذا الجحيم، لم يكن المسلحون يكتفون بالقتل، بل طاردوا النازحين لسلبهم ما تبقى من رمق الحياة، يصف «آدم» كيف كان المسلحون ينهبون حتى عبوات المياه الصغيرة ومستلزمات الرضع، تاركين العائلات العطشى تواجه شمس الصحراء بلا غطاء.

كانت رحلة الهروب مليئة بالمخاطر، حيث رأى بعينه نحو 5 أشخاص قتلوا بالسلاح أثناء الفرار، كان الرصاص يحيطهم من كل اتجاه، وينهمر كالمطر، بينما الفاشر محاصرة بالكامل من قبل قوات الدعم السريع، وحتى مخيم زمزم لم يسلم من الهجوم والقصف.

بينما نجح «آدم» في العبور إلى تشاد مع والدته وخمسة من إخوته، بقيت المأساة تطارده في أحلامه: «قلبي يعتصر ألمًا، لقد اضطررت لترك زوجتي وطفلي في طويلة بسبب قسوة الظروف التي لم تسمح باصطحابهم، واليوم، انقطعت أخبارهما تمامًا».

عندما وصل إلى مخيم «أوري كاسوني»، اعتقد أن الأسوأ قد انتهى، لكنه وجد نفسه في معركة أخرى ضد الطبيعة، ففي مخيم يفتقر لأبسط المقومات، يعيش «آدم» مع 10% من النازحين الذين لم يحصلوا حتى الآن على خيمة، يواجهون شمس الصحراء بصدور عارية.

آدم عبدالجبار

تحدي بقاء لـ«آدم» والفارين إلى «أوري كاسوني»

تحدي البقاء هنا يتمحور حول قطرة الماء، يصف «آدم» مشهدًا لمربع سكني يضم قرابة 3 آلاف نازح، تصلهم المياه مرة واحدة يوميًا، وهي مياه عكرة يجمعها الأطفال من الأودية البعيدة: «نضطر لإرسال الأطفال الصغار ليحملوا الجراكن على ظهورهم لمسافات طويلة لجلب الماء من الوادي أو الخزانات البعيدة».

يوضح أن الأطفال يمرضون طوال الـ24 ساعة، مشيرًا إلى حالات الإسهال المزمنة التي لا تجد في المستشفى المزدحم سوى طوابير طويلة قد تمتد حتى منتصف الليل.

أما التعليم، فيبدو ترفًا بعيد المنال، فالفصول الدراسية تكتظ بـ300 تلميذ في الغرفة الواحدة، ما يجعل العملية التعليمية مجرد محاولة لامتصاص الفراغ أكثر منها بناءً للمستقبل.

ورغم توفر الأمان النسبي في تشاد، يظل الجوع والضياع سيدا الموقف، حيث يضطر «آدم» للعمل يوم بيوم في الأسواق المحلية لتأمين وجبة عائلته، وذلك لأن المساعدات الغذائية لا تصل إلا كل بضعة أشهر وبكميات لا تسد الرمق.

الخطر لا ينتهي.. النساء في مواجهة طريق البحث عن الماء والحطب

بالنسبة للناجين، لا تنتهي المخاطر عند الوصول إلى المخيم، فبعضهم يصل بعد أن فقد أقاربه في الطريق، أو بعد أن اضطر لدفع كل ما يملك، ليجد نفسه في مخيم يفتقر إلى الموارد، وفي بيئة لا تزال فيها المخاطر قائمة، خصوصًا للنساء اللواتي يضطررن للخروج خارج المعسكر بحثًا عن الماء أو الحطب.

خارج المخيم تنتشر قرى صغيرة تابعة للمجتمع التشادي المستضيف، وتضطر كثير من اللاجئات إلى الخروج يوميًا لجلب الماء أو الحطب من مناطق بعيدة بسبب نقص الموارد داخل المخيم.

وأفاد عاملون في المجال الإنساني داخل المخيم بوقوع حالات متكررة من الاعتداء الجنسي على لاجئات سودانيات خارج نطاق المخيم، مشيرين إلى أن بعض المتهمين ينتمون إلى مجتمعات محلية في تشاد، وتشير الشهادات إلى أن المعتدين كانوا من المجتمع المحلي في تشاد، وليسوا من السودانيين أنفسهم.

وتثير هذه الشهادات تساؤلات حول مدى التزام السلطات التشادية بحماية اللاجئين بموجب القانون الدولي، خاصة اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.

تقول إحدى العاملات في المجال الإنساني، إن النساء يجدن أنفسهن مضطرات للخروج لمسافات طويلة، وغالبًا دون مرافقة أو حماية، وهو ما يجعلهن عرضة للاعتداء.

وتضيف مصادر من داخل المخيم أن التحرش والاعتداء لا يقتصران على القرى المحيطة، بل تحدث أحيانًا عند أطراف المعسكر، حيث تتمركز قوات أمنية تشادية.

لا توجد إحصاءات رسمية معلنة حول عدد الحوادث، لكن عاملين في الإغاثة يقولون إن كثيرًا من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف أو العار أو صعوبة الوصول إلى العدالة، ولم تتلق «الوطن» ردًا من الحكومة في تشاد أو المتحدث الرسمي باسمها بشأن هذه الوقائع.

تقول إحدى العاملات إن المقاومة تكون صعبة جدًا، خصوصًا عندما تكون الضحية وحدها وخارج حدود المخيم.

بعد وقوع الاعتداء، يتم نقل الضحايا إلى مرافق طبية حيث يحصلن على رعاية طبية عاجلة، تشمل التطعيمات والعلاج الوقائي من الأمراض المنقولة جنسيًا مثل فيروس نقص المناعة والسيلان والزهري.

كما تقدم بعض المنظمات مثل «ري هوب - Re Hope» برامج دعم نفسي للضحايا، في محاولة لمساعدتهن على تجاوز الصدمة، لكن عاملين في المجال الإنساني يقولون إن هذه الإجراءات تظل علاجًا لما بعد الجريمة، لا حلًا للمشكلة.

قصة 3 أيام في الجبل.. ذاكرة لا تمحوها النجاة

في عيادة صغيرة تديرها منظمات أممية في مخيم أوري كاسوني، تجلس فتاة سودانية تحاول استعادة صوتها الذي فُقد في جبال دارفور، تقول بنبرة خافتة، وكأنها تتحدث عن شخص آخر: «أنا نجيت، لكن جزءًا مني لا يزال هناك.. تحت تلك الشجرة».

حكاية هذه الفتاة، التي طلبت عدم ذكر اسمها لأسباب شخصية، هي اختزال لمأساة آلاف النساء في حرب السودان، حيث تتحول رحلة البحث عن الأمان إلى فخ من الانتهاكات الممنهجة التي تترك في النفوس كسورًا لا تمحوها النجاة الجغرافية (الوصول إلى تشاد).

بدأ الكابوس في الفاشر، المدينة التي تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة، هناك فقدت الفتاة والدتها في الزحام والقصف، لتجد نفسها وحيدة مع خالتها وثلاث فتيات أخريات، يمتطين الدواب نحو المجهول.

عند منطقة بديقيس في إقليم دارفور، قطعت عناصر من قوات الدعم السريع الطريق، تقول: «نزلوني من الحمار، وفجأة أحسست أن قلبي سقط بين قدمي»، تروي الفتاة أنه أمام عينيها وتحت تهديد السلاح، قُتلت امرأة كانت تحاول حماية ابنتها في مشهد تقول إنه محفور في ذاكرتها كوشم لا يزول.

لم يكن الموت هو النهاية، بل كان بداية لـ3 أيام من الجحيم، اقتيدت الفتيات إلى الجبل، حيث تم ربطهن تحت شجرة، هناك تعرضت للاعتداء الجنسي، وبعيدًا عن أعين العالم، تحولت الساعات إلى سنين.

تصف الفتاة الشابة تلك الأيام الثلاثة بأنها عملية سحب بطيء للروح، لم يكن هناك صراخ، بل بكاء صامت، وفي اليوم الرابع، وبذات البرود الذي اقتيدوا به، قيل لهن: «امشوا».

خرجت الفتيات في عتمة الليل، أجساد مثقلة وأرواح مهشمة، ساروا بلا هدى حتى التحقوا بقافلة متجهة نحو منطقة طويلة: «كان الكلام ثقيلًا.. أكبر منا ومن قدرتنا على النطق»، تقول الفتاة، مضيفة أن الوصول إلى «طويلة» لم يكن نهاية الخوف، ففي كل منطقة في السودان، الأمان هو مجرد استراحة قصيرة، وتحت إصرار خالتها المذعورة، واصلوا الرحلة الشاقة عبر الوديان حتى عبور الحدود نحو تشاد.

اليوم، تتابع الفتاة علاجها النفسي والجسدي مع المنظمات الدولية، لكنها تعترف بمرارة أن الوجع لا يزال موجودًا.

الأمم المتحدة: الأوضاع الإنسانية في المخيم بالغة الصعوبة

يؤكد فرانسوا باتالينجايا، المنسق المقيم للأمم المتحدة في تشاد، أن الأوضاع الإنسانية في مخيم أوري كاسوني للاجئين في مقاطعة إينيدي الشرقية لا تزال بالغة الصعوبة.

يقول لـ«الوطن»، إنه لا تزال الاحتياجات تفوق الموارد المتاحة، مع وجود فجوات كبيرة في الخدمات الأساسية كالمأوى والماء والغذاء والحماية وغيرها، مضيفًا أن الشركاء في المجال الإنساني يبذلون جهودًا متواصلة في ظل ظروف صعبة، إلا أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من الدعم والاهتمام لمعالجة الوضع وضمان سلامة وكرامة السكان المتضررين.

الحصول على الماء في المخيم

الحصول على الماء في المخيم

مفوضية شؤون اللاجئين: الزيادة السريعة في أعداد طالبي اللجوء وضعت ضغطًا هائلا على الخدمات

تقول هيلين نجوه، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تشاد، إن الزيادة السريعة في أعداد طالبي اللجوء وضعت ضغطًا هائلًا على الخدمات التي كانت بالفعل تعاني من الإجهاد، حيث يعيش كثير من اللاجئين الجدد في ملاجئ مؤقتة في مجرى نهر موسمي، معرضين لظروف مناخية قاسية ولخطر فيضانات مع اقتراب موسم الأمطار.

وتؤكد في حديثها مع «الوطن»، أن إنتاج المياه يغطي أقل من 30% من الاحتياجات اليومية، وهو أقل بكثير من المعايير الإنسانية، كما أشارت إلى النقص الحاد في المراحيض ومستلزمات الصرف الصحي والمأوى الكافي.

تعمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مع السلطات المحلية والجهات الإنسانية لنقل العائلات من المناطق الأكثر خطورة قبل موسم الأمطار، وتوسيع أنظمة المياه، وبناء مراحيض إضافية، وإنشاء المزيد من الملاجئ، ومع ذلك فإن حجم الاحتياجات يفوق بكثير الموارد المتاحة، ونواصل الدعوة إلى دعم دولي عاجل ومستدام.

وحول ما أثارته «الوطن» في تحقيقها بشأن سلامة اللاجئات السودانيات في تشاد، أكدت على وجود تلك الحالات، مضيفة أن المفوضية تشعر بقلق بالغ بشأن سلامة النساء والفتيات في المخيم، حيث يواجهن مخاطر حقيقية من التحرش والاعتداء، خاصة عند اضطرارهن لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مصادر المياه أو المراحيض أو جمع الحطب.

وبحسب «هيلين»، ترتبط هذه المخاطر بالاكتظاظ وقلة الإضاءة وضعف البنية التحتية، لكن الجهود مستمرة عبر التوعية المجتمعية، وتحسين الإضاءة، والعمل مع متطوعين لرصد المخاطر، إضافة إلى إحالة الناجين إلى خدمات الدعم النفسي والطبي والقانوني.

وأكدت أن نقص التمويل يعد عاملًا رئيسيًا في هذه الفجوات، حيث يحد من عدد المساحات الآمنة، وأنشطة الوقاية، وتحسين البنية التحتية مثل الإضاءة والمرافق الآمنة.

وفيما يتعلق بالتقارير حول توترات وهجمات من أفراد المجتمع المضيف، أوضحت أن المفوضية تدرك أن الأعداد الكبيرة من اللاجئين تضع ضغطًا على المجتمعات المضيفة التي تواجه تحدياتها الخاصة: «نأخذ تقارير التوترات على محمل الجد، حيث تُعد سلامة اللاجئين والمجتمعات المحلية أولوية».

كما تعمل المفوضية بشكل وثيق مع السلطات التشادية على المستويين الوطني والمحلي للحفاظ على أمن مواقع اللاجئين والمناطق المحيطة، كما ندعم الحوار بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة ونعمل مع القادة المحليين لمعالجة المخاوف مبكرًا.

كما تحرص على وصول الدعم لكل من اللاجئين والمجتمعات المضيفة، لتخفيف الضغوط وتقليل التوترات، بما في ذلك توزيع غاز الطهي لتقليل الاعتماد على الحطب، الذي يمثل ضغطًا كبيرًا على البيئة والموارد المحلية.

الأوضاع في المخيم

الماء في المخيم

رحلة نزوح تمزقت فيها العائلة بين القصف والتيه حتى أطراف الصحراء

وسط هذا الواقع، تحاول بعض الأسر إعادة بناء حياة شبه طبيعية، حتى وإن كانت على أطراف الصحراء، وما تصفه اللاجئة السودانية حواء النور، لا يقتصر على تجربتها الشخصية، بل يتقاطع مع تقييمات المنظمات الدولية العاملة على الأرض.

داخل المخيم، تتحدث «حواء» بصوت منخفض، لكن صوت خفقان قلبها أثناء الحديث كان أقوى من أن تمنعه، سيدة في أواخر العشرينيات من عمرها، تحمل رضيعًا على ذراعها، وتجلس عند مدخل خيمة تستعيد رحلة بدأت تحت القصف وانتهت عند أطراف الصحراء.

تقول إنها من سكان مدينة الفاشر، وكانت تقيم في مخيم زمزم، أحد أكبر مخيمات النزوح في إقليم دارفور، قبل أن تضطر أسرتها إلى الفرار في نوفمبر 2025 مع تصاعد القصف المدفعي.

لم يكن الخروج قرارًا منظمًا، بل هروبًا جماعيًا، تقول إن عدد القتلى في محيطها وحده كان كبيرًا إلى حد يصعب تصديقه، إذ وصل عدد الضحايا من معارفها إلى أكثر من 15 شخصًا خلال أيام قليلة فقط، بينهم 11 من أبناء خالها.

تتوقف قليلًا قبل أن تضيف أن امرأة تُدعى «عزيزة» قُتلت مع أطفالها الثلاثة وشقيقها بعد سقوط قذيفة على منزلهم، بينما أصيبت طفلة أخرى بجروح بالغة وكسور.

ذهبت والدتها في اتجاه، بينما تحركت هي مع بقية إخوتها في اتجاه آخر، ولم يعرفوا مكانها إلا بعد أيام من البحث عبر مجموعات واتساب ورسائل هاتفية، قبل أن يعلموا أنها اتجهت نحو طريق «طويلة» غرب الفاشر، عندها قرروا المغادرة مرة أخرى، على أمل اللحاق بها.

في الطريق، كما تروي، لم يكن الخطر من القصف فقط، تقول إن قوافل الفارين تعرضت للنهب، وإنهم شاهدوا حالات اعتداء جنسي على فتيات أمام أعينهم دون أن يتمكن أحد من التدخل، بعض الأطفال ماتوا من الجوع والعطش والحر، وآخرون فُقدوا وسط الفوضى: «واجهنا أهوالًا تفوق الوصف، أكثر من 100 شخص خلال رحلتنا تفرقوا أو فُقدوا».

وتضيف أن مسلحين من قوات الدعم السريع كانوا يوقفون المجموعات ويأخذون بعض الشبان بالقوة، ويجبرونهم على ركوب عربات تنطلق إلى وجهة غير معروفة.

وفي لحظات الإنهاك الشديد، كما تقول، اضطر بعض الفارين إلى ترك كبار السن تحت الأشجار لأنهم لم يعودوا قادرين على السير، دون أن يعرف أحد ما إذا كانوا قد نجوا أم ماتوا في الطريق.

فقدت «حواء» أحد أقاربها خلال الرحلة، وتضيف أن أكثر من 20 طفلًا كانوا يسيرون مع القافلة في مرحلة من الرحلة دون أن يعرفوا أين ذهبت عائلاتهم.

اليوم، بعد 8 أشهر من الوصول، تقول «حواء» إن الحياة في المخيم أكثر أمنًا، لكنها أبعد ما تكون عن الاستقرار، فالعائلة ما زالت مشتتة في عدة مناطق، وبعض أقاربها لا يزالون في دارفور، بينما لا تعرف حتى الآن إن كانت ستجتمع بوالدها الذي وصلتهم أخبار بأنه حي.

يعمل شقيقها الصغير في السوق بالأعمال اليومية ليشتري السكر أو اللبن، ووالدتها تصنع مراوح من سعف النخيل لبيعها أمام الخيمة، بينما تعمل هي معلمة في مدرسة ابتدائية داخل المخيم مقابل نحو 40 دولارًا شهريًا.

تتوقف «حواء» قليلًا، ثم تنظر إلى الطفل الذي تحمله، وتقول إن الأمان الذي وجدته هنا لا يكفي وحده: «نحن أحياء، نعم، لكن بلا حياة».

محطات انتظار طويلة لحياة مؤجلة

في نهاية هذا المسار الممتد من الفاشر إلى حدود الصحراء التشادية، لا تبدو الحكاية مجرد رحلة نزوح عابرة، بل شهادة مفتوحة على عالم انهارت فيه الحماية وتحولت فيه الطرق إلى امتداد للعنف وتجارة البشر، والمخيمات إلى محطات انتظار طويلة للحياة المؤجلة.