أسيوط: العتمانية.. «ضربتين فى الراس تموِّت»: سيول وتعويضات «على الورق» لا تذهب أبداً إلى المستحقين

كتب: الوطن

أسيوط: العتمانية.. «ضربتين فى الراس تموِّت»: سيول وتعويضات «على الورق» لا تذهب أبداً إلى المستحقين

أسيوط: العتمانية.. «ضربتين فى الراس تموِّت»: سيول وتعويضات «على الورق» لا تذهب أبداً إلى المستحقين

مدق ترابى، وعلى جانبيه ترعة صغيرة تحدها الأشجار، والطرف الآخر بيوت فقيرة، بنيت من الطوب الأبيض، وأخرى بنيت من الطين، بعضها مسقوف والبعض الآخر مغطى بالجريد القديم، وبعض منها بالحطب المربوط بحبال متهالكة.. لا تخلو جدرانها من الشروخ والتشققات، وانهيار أسقف البعض الآخر.. على امتداد الطريق تارة تجد ملامح الترميم، وتارة أخرى تجد منازل تحتفظ برونق البناء الجديد، ومع عبور الكوبرى الذى يربط طرفى قرية العتمانية التابعة لمحافظة أسيوط المنحصرة ما بين جبال الصحراء وترعة تفصلها على الطريق الزراعى الواصل إلى سوهاج فى نهايته مدق ترابى يشق صفوف الزراعات، ينتهى عند مخر السيل، الذى ينهمر عليه سنوياً فلا يُبقى ولا يذر.

على مسافة من الكوبرى الحديدى الذى يربط طرفى القرية، يجلس «عبدالناصر الزغبى»، 55 عاماً، على أريكة خشبية متهالكة، أمام منزله المنزوى فى نهاية الطريق الترابى الذى يشق القرية، بجبهته العريضة وملامحه المضطربة، يقول «عبدالناصر» إنه ينتظر السيل بين ساعة وأخرى ليعبر الترعة التى تحد القرية، ليعيش فى كنف أحد أقاربه فى مأمن من انهيار المنزل فوق رأس أسرته الصغيرة: «عايشين تحت تهديد السيل، والمخر لحد دلوقتى ماعملوش فيه حاجة من السنتين اللى فاتوا.. كل اللى عملوه جم رمموا كام بيت وبس».

بجوار أحد المنازل التى تظهر عليها آثار الترميم، يقف «الزغبى»، يلوذ بالصمت برهة، ثم يعاود: «الترميمات والإصلاحات اللى حصلت بالقرية كانت بمزاج بتوع الوحدة المحلية، اللى ليه قريب ولّا واسطة فى الوحدة المحلية كان بيتصلح له بيته، لكن الناس الغلابة اللى مالهاش حد، ماكانش حد بيعبرها»، فالرجل يتهم المسئولين عن التعويضات فى الوحدة المحلية بالفساد، والمحسوبية، تجاه بعض أهالى القرية.

السيل الذى طال القرية منذ أكثر من عام لم يكن الأول، فالقرية معرّضة للسيول باستمرار، وكان أخطرها على الإطلاق السيل الذى دمرها فى 1992: «سنتين عدت أهو، وماشفناش حاجة منهم، ولا حد اتحرك عشان يعمل سد يحمينا من السيل»، وسيل العام الماضى لم يهدم البيوت، لكن تسبب فى انهيار السدود التى بُنيت بعد عام 92: «وده دليل على الفساد.. يعنى حتى السدود اللى اتبنت ماكانتش قدّ الوقوف فى وش الميّة السنة اللى فاتت».

بجوار منزل يظهر منه بابه الخشبى المتهالك، وسقفه المشكل من الحطب المربوط بالحبال، ترتكن «بشرات عبدالعال» بجسدها الهزيل على الحائط الطينى، متشحة بالسواد، ملابسها رثة، وعيناها أصابهما البياض: «متجوزة هنا ييجى من ستين سنة، والسيل خد الـ17 قيراط اللى حيلتى، ماخلاش ربيع ولا قمح، ومحدش عطانى قرش»، تسكن «بشرات» منزلها وحدها، بعدما رحل نجلها للعمل بليبيا ولم يعد: «ولدى غايب ومحدش دافع عنى، ومعزة وجاموسة وكل حاجتى ماتت منى، يدفعوا فلوس للرجال والغلابة والحريم والولايا لا»، وعن التعويضات تقول بتلعثم شديد: «الحيطة واقعة جوه، والباقى من الدار هيقع على راسنا.. حرام عليكم».

وإلى يمينها، تسكن «عزة السيد» تنهض من جلستها، تزيل عن ملابسة الرثة ما لطخها من أتربة، وبصوت مبحوح تقول: «اتخربت بيوتنا، ماعطوناش ولا حاجة»، فالسيدة التى تربّى ثلاثة أطفال بعد وفاة والدهم، تقول: «رجعنا بيتنا بعد السيل، لقينا البهايم ميتة ورميناها فى الترعة»، ورغم حصولها على ثلاثة آلاف جنيه تعويضات من المحافظة، فإنها لا تجد تعويضاً مناسباً عما أصابها من بلاء جراء السيل، وتشير إلى البيوت المتاخمة لها، التى بُنيت بأناقة، وتقول بامتعاض وعصبية مفرطة: «بنوا بيوت الأعيان وسابوا الغلابة بعدما اتخربت بيوتهم».

تتذكر «عزة» جيداً اليوم الذى أغرق فيه السيل بيوتهم: «هجينا ومشينا وسيبنا بيوتنا»، عادت السيدة بعد أربعة أيام: «جينا لقينا الخراب حل بالقرية.. حتى الجامع وقعه السيل»، وتنتظر السيدة الستينية السيل الجديد الذى من المنتظر أن يحل على القرية بين لحظة وأخرى: «هنعمل إيه، مفيش حل».

 


مواضيع متعلقة