ذاكرة الشعوب لا تُخدع مرتين.. لماذا تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية؟

كتب: يسرا البسيوني

ذاكرة الشعوب لا تُخدع مرتين.. لماذا تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية؟

ذاكرة الشعوب لا تُخدع مرتين.. لماذا تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية؟

في المشهد السياسي العربي، لم يعد حضور الجماعات الإسلامية كما كان قبل أكثر من عقد، بعدما تعرضت صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام لهزة كبيرة، بفعل تجارب الحكم، وتناقضات الخطاب، وعجزها عن تقديم نموذج سياسي قادر على الاستمرار، وبينما كانت هذه التنظيمات تستند لسنوات إلى رصيد شعبي قائم على الشعارات والوعود، تبدو "ذاكرة الشارع" اليوم أكثر صلابة في الحكم على التجارب لا على الخطابات.

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الأصولية، عمرو فاروق، أن التراجع الشعبي لهذه الجماعات يرتبط، في جوهره، بفشلها في التحول من منطق التنظيم المغلق إلى مفهوم الدولة بمؤسساتها وتعقيداتها، موضحًا أن الأزمة لم تكن في الشعار بقدر ما كانت في غياب القدرة على إدارة المجال العام وصناعة التوافقات السياسية.

ويضيف فاروق، في قراءة للمشهد، أن قطاعات من المواطنين أعادت تقييم التجربة بعد سنوات من الاضطراب، لتتراجع جاذبية الخطاب الأيديولوجي أمام أسئلة أكثر ارتباطًا بالواقع، مثل الكفاءة، وإدارة الاقتصاد، والحفاظ على الاستقرار، وهي معايير لم تنجح تلك الجماعات في ترسيخ الثقة بشأنها، خاصة أنها ترفع شعارات مناهضة لمفاهيم الدولة الوطنية واستراتيجياتها السياسية والثقافية .

من رصيد الشعار إلى اختبار التجربة

التحولات التي شهدتها المنطقة بعد موجة ما سُمي بالربيع العربي، وضعت الجماعات الإسلامية في اختبار مباشر مع الشارع، فبعدما كانت تقدم نفسها كبديل أخلاقي وسياسي، اصطدمت تجربتها العملية بتحديات الدولة الحديثة، من إدارة المؤسسات إلى التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

هذا الانتقال من مساحة المعارضة إلى مسؤولية الحكم كشف، فجوة واضحة بين البناء التنظيمي الصارم ومتطلبات الإدارة السياسية المرنة، ما أسهم في تآكل جزء معتبر من شعبيتها، خاصة لدى الفئات التي كانت تبحث عن حلول معيشية لا عن صراعات أيديولوجية.

الوعي الشعبي وتبدل الأولويات

في السنوات الأخيرة، بدا أن المزاج العام أصبح أكثر ميلًا لقياس القوى السياسية بقدرتها على الإنجاز لا بقدرتها على الحشد، هذا التحول جعل كثيرًا من الخطابات التقليدية أقل تأثيرًا، خصوصًا مع تنامي الوعي بدور الشائعات والاستقطاب في إرباك المجتمعات.

وفي هذا السياق، يشير عمرو فاروق، في تصريح لـ "الوطن" إلى أن الوعي الشعبي تراكم عبر التجربة المباشرة، ما جعل استعادة الثقة أمرًا بالغ الصعوبة، لافتًا إلى أن الجماعات التي لم تجر مراجعات فكرية وسياسية حقيقية تبقى أسيرة أخطاء الماضي، مهما حاولت إعادة تقديم نفسها بصيغ جديدة، بجانب انتهاجها للعنف المسلح وتعميم التكفير وجاهلية المجتمع ، كما لا يمكن تجاهل أن من ده الجماعات بعد سقوط حكم الإخوان وضعت المجتمع المصري في خانة العداء والتنكيل ع اعتباره أنه خرج ضد حكم الجماعة ومشروعها .

مشهد ما بعد التراجع

ورغم محاولات بعض هذه الجماعات إعادة التموضع إعلاميًا وسياسيًا، فإن استعادة الزخم السابق تبدو مرهونة بقدرتها على الاعتراف بأسباب الإخفاق، والتعامل بجدية مع تحولات المجتمع، الذي بات أكثر حساسية تجاه التناقض بين الشعارات والممارسة.

وهكذا، يبدو أن ذاكرة الشعوب، حين تختبر التجربة بنفسها، تصبح أكثر صعوبة على الخداع للمرة الثانية، وهي المعادلة التي تفسر، إلى حد كبير، لماذا تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية في أكثر من ساحة عربية.


مواضيع متعلقة