البصر والبصيرة: قراءة في مدرسة الشربيني القضائية
منذ زمن بعيد، وحين كانت خطاي الأولى تطأ عتبات كلية الحقوق، استوقفنى تصوير العدالة في هيئة امرأة معصوبة العينين. بدا الأمر آنذاك غريباً؛ كيف تُحجب الرؤية عمن أُنيط بها إظهار الحق؟
كانت الدهشة تعترينى، كيف يصورونها عمياء وهى التي خُلقت لتُبصر؟ وكيف يُحجب الضياء عمن جُعلت مهمتها الاستضاءة بنور اليقين؟ غير أن التجربة، ومعها قراءة أحكام القضاء، كشفت لى عن المعنى الأعمق، كما عبّر عنه قضاء النقض المصرى في عبارته الدقيقة: «المحكمة تنظر الدعوى عن بصر وبصيرة». فالبصر يُدرك الظواهر، أما البصيرة فتهدى إلى جوهر الحقيقة حين تتداخل الوقائع وتتشابك الادعاءات. وعند هذه النقطة، يتضح أن عصابة العدالة ليست إنكاراً للرؤية، بل ضمان لحيادها، وانصراف عن الأشخاص إلى الأدلة.
والقاضى صاحب البصيرة هو القاضى صاحب الفراسة والاستنارة، الذي يستطيع استخلاص الحق من وسط ركام الأكاذيب والترهات، فكيف للعدالة أن تعمى بصرها؟! وقد علمتنا الأحداث ما لم نكن نعلمه، ورأينا رجالاً فتحوا أمامنا طريق المعرفة، وما عرفنا ما كنا نجهله إلا من مواقفهم العملية.
وفي هذا المقام، ينهض اسم المستشار الجليل محمد السعيد الشربينى، شاهداً على أن العدالة حين تتجرد تبلغ مرتبة الرسالة، فقد جلس على منصة القضاء في قضايا من أعقد ما عرفت المحاكم، قضايا تخابر وإرهاب تُثقلها وقائع يتشابك فيها الولاء بالخيانة، والإرهاب بالتخابر، ومع ذلك لم تكن منصته يوماً ساحة انتقام، بل كانت محراباً يُوزن فيه الدليل بميزان القانون، لا بميزان الصخب أو الضغط أو التهويل، وهو في ذلك يعيد للذاكرة أمجاد قضاة حفروا أسماءهم في الوجدان المصرى؛ مثل القاضى عبدالعزيز فهمى باشا، والقاضى عبدالعزيز محمد رئيس محكمة النقض في أواخر الأربعينات، ووجدى عبدالصمد الذي لُقب بـ«قاضي الشعب»، وغيرهم من الأسلاف من قضاة مصر العظام.
ولقد تجلت هذه العقيدة القضائية الراسخة في الحكم التاريخى الذي أصدره المستشار الشربينى مؤخراً في قضية «التخابر مع جهات أجنبية»، حيث لم ينحز الرجل إلا لنصوص القانون وروحه، مستحضراً في ضميره قاعدة أن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، فجاءت أحكامه متباينة بتباين الأدوار والحجج، فبينما قضى بالسجن المؤبد على محمود عزت و36 آخرين، والمشدد لمدد تتراوح بين خمس سنوات وخمسة عشر عاماً لآخرين، لم يتردد في أن يقضى بالبراءة لمتهم تهاوت بحقه الأدلة، وبإيقاف التنفيذ لمتهمين اثنين مراعاة لصحيح القانون، بل ووقف عند حدود المشروعية الإجرائية بصلابة تُذكرنا بصلابة «العز بن عبدالسلام» فقضى بعدم جواز نظر الدعوى بحق متهم قيادى ورئيسى لأن شرط المحاكمة لم يتحقق بخصوصه، وهنا تتجلى عظمة القاضى الذي لا يُدين لأنه قادر، بل يحكم لأن الدليل قاده، مقتفياً أثر قضاة عاشوا وماتوا وهم يحرسون استقلال القضاء وتجرد المنصة.
ومن المشاهد التي لا تُنسى في مسيرة هذا الرجل، يوم أن استدعى في إحدى القضايا شيوخاً من رموز السلفيين لسماع شهادتهم في مدى تأثر عدد من المتهمين بالإرهاب بفكرهم كما اعترفوا في أقوالهم، فمثل أمامها محمد حسان ومحمد حسين يعقوب، وكان ذلك المشهد كاشفاً لحرص المحكمة على استجلاء الحقيقة من منابعها الفكرية، إذ أراد أن يكشف للعالم أن العمل الإرهابى إنما يخرج من بئر الفكر المنحرف والمتطرف، وخلال تلك الجلسات، برز أسلوب المستشار الشربينى في إدارة الحوار القضائى على نحو لافت، حيث لم يقتصر دوره على ضبط إيقاع الجلسة، بل تجاوز ذلك إلى حضور علمى متكامل؛ اتسم بالهدوء والدقة، مع قدرة واضحة على إحكام مسار النقاش وتوجيهه إلى جوهر الوقائع. وقد بدا متمكناً من أدواته، حاضر الذهن في استدعاء نصوص القانون وتطبيقها، إلى جانب إلمام راسخ باللغة العربية، مكّنه من تفكيك العبارات وتحديد دلالاتها على نحو لا يترك مجالاً للالتباس.
ولم يقف هذا التمكن عند حدود القانون واللغة، بل امتد إلى استحضار أصول الفقه ومقاصد الشريعة، والاستدلال بآيات من القرآن الكريم في مواضعها، لا على سبيل الإنشاء، بل بوصفها إطاراً قيمياً يعزز معنى العدل ويضبط ميزانه. فكان يدير الحوار بعقل قانونى منضبط، ولسان عربى مبين، وفهم واعٍ بمرجعيات النص ومعانيه، فكانت يده أعلى من أيادى هؤلاء الشيوخ، وعلمه أكثر رسوخاً لدرجة أن هؤلاء الأشياخ تراجعوا وقالوا ما نحن إلا وعاظ وليس لنا في الفقه ودروبه.
ولكن هذا النهج جعل من المستشار الشربينى هدفاً لآلات التشهير، وإعلام الإرهاب، وغارات الشائعات التي تستهدف اغتياله معنوياً، ومن كتائب إلكترونية لا تعرف إلا الهدم، إلا أنه وهو يواجه غارات الشائعات ومحاولات الاغتيال المعنوى أغلق عينيه عن التجريح ليفتحهما فقط على محراب العدالة؛ هنا تصبح العدالة «عمياء» حقاً، لا ترى المتهمين ولا وظائفهم ولا افتئات أعوانهم وإعلامهم، بل ترى الحق والعدل وحدهما، ويقينى أن المستشار الشربينى لم يفكر وقتها إلا في الآية القرآنية «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ»، ولعله حرك شفتيه بالآية القرآنية «وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ».
ولم تكن مسيرة المستشار الشربينى في قضايا الإرهاب استثناء عابراً، بل جاءت امتداداً لنهج متصل في إدارة هذا النوع من القضايا الشائكة، حيث تنوعت أحكامه بين الإدانة حين يثبت الدليل، والبراءة حين يتداعى، والتدقيق في الإجراءات حين يختل أحد أركانها. وهو بذلك رسّخ مبدأ أصيلاً مفاده أن العدالة لا تُقاس بصرامة العقوبة، فقد كان بإمكانه أن يقضى بإعدام المتهمين الأوائل في قضية التخابر، والقانون يقره على ذلك، ولكنه بحث عن سلامة الطريق الذي يُفضى إلى العدالة. وإذا كان من الإنصاف أن تُذكر الأسماء التي صنعت مجد القضاء، فإن الإنصاف ذاته يقتضى أن يُدرج المستشار محمد السعيد الشربينى في سلك هؤلاء العظام، الذين لم يكتفوا بتطبيق القانون، بل أضفوا عليه روح النزاهة والشجاعة، فجعلوا من المنصة حصناً للعدل.
والحقيقة التي لا أخفيها، وأنا أكتب هذه السطور جالساً في حجرتى وبين كتبى آمناً مطمئناً، قد لا أستشعر على وجه الدقة وأنا أصوغ كلماتى نفسية المستشار الشربينى الوثابة، ولا نفسية أعضاء دائرته القضائية الأجلاء، إلا أننى أستطيع أن أصفهم، وأصفه بأنهم، وهو، كان فدائياً حقيقياً، وأظننى إن التقيته سأسأله: قل لى بالله عليك.. من أنت؟ ومالك لم تخف سطوة إرهاب ولا سلطان تنظيمات سرية، من أنت حتى تهابك جماعة إرهابية وأنت الذي لا تحمل في يدك سوطاً ولا سيفاً؟ عرفتك يا سيدى، فأنت ذلك الرجل الذي يستمد سطوته وسلطانه من كلمة الحق ورسالة العدل، فليست السطوة إذن سطوتك، ولكنها سطوة الحق الذي تحمله.
وهكذا، يظل التاريخ شاهداً أن في مصر قضاة إذا نطقوا حكموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا عدلوا استراح الضمير الوطنى، واطمأنت القلوب إلى أن ميزان الحق في أيد أمينة، لا ترتعش أمام العواصف، ولا تنحنى إلا لسلطان القانون.