كراهية في الداخل وإسلاموفوبيا بالخارج.. الشعوب تلفظ «جماعات العنف»: خلقت نفوراً تجاه مفاهيم الدين
كراهية في الداخل وإسلاموفوبيا بالخارج.. الشعوب تلفظ «جماعات العنف»: خلقت نفوراً تجاه مفاهيم الدين
كتب - أحمد حامد دياب وأحمد محيى:
شهدت المنطقة العربية خلال العقود الماضية صعوداً لافتاً لجماعات الإسلام السياسي التي حاولت تقديم نفسها كبديل سياسي وديني قادر على إدارة الدولة وبناء المجتمعات، غير أن التجربة العملية في عدد من الدول سرعان ما كشفت عن فجوة واسعة بين الشعارات المرفوعة والممارسات على أرض الواقع، ومع تداخل الشق الديني بالسياسي بصورة أفضت في كثير من الحالات إلى اضطراب في الاستقرار العام، وتزايد أعمال العنف والإرهاب، وتنامي حالات الاستقطاب المجتمعي، ارتفعت حدة الغضب الشعبي بشكل غير مسبوق، ما دفع الشعوب إلى الخروج في موجات احتجاج وثورات رفضاً لهذا المسار، وسعياً لاستعادة استقرار الدولة ومؤسساتها، ووعياً بخطورة ما يسمى بالإسلام السياسي.
كما تلعب وسائل الإعلام دوراً رئيسياً في نشر منشورات المدونات والمواقع الإلكترونية وغيرها من التغطيات المعادية للإسلام، وتعمل مراكز الأبحاث اليمينية الممولة جيداً جنباً إلى جنب مع نشطاء اليمين المتطرف والجماعات الدينية اليمينية على نشر الإسلاموفوبيا في الحياة اليومية، وذلك حسبما نشرت جامعة نيوكاسل في دراسة لها أجريت في أكتوبر الماضي. وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، أجرى معهد السياسات الاجتماعية والتفاهم بالولايات المتحدة أبحاثاً حول المسلمين الأمريكيين والقضايا التي تؤثر على المجتمعات المسلمة في الولايات المتحدة، ونشر نتائجها، وشملت هذه الأبحاث عدة نسخ من استطلاع رأي المسلمين الأمريكيين، الذي يرصد مواقف المسلمين وآراءهم وتجاربهم الحياتية، إلى جانب الأمريكيين من أتباع ديانات أخرى أو غير المتدينين.
وذكر معهد السياسات الاجتماعية والتفاهم بالولايات المتحدة أن التمييز ضد المسلمين استمر عند مستويات عالية منذ أن بدأوا في تتبع ذلك في عام 2016، حيث تعرض 62% من المسلمين لحادثة واحدة على الأقل كل عام، وهو احتمال أكبر من جميع المجموعات الدينية وغير الدينية الأخرى التي شملها الاستطلاع.
ويُعد التمييز بين الأفراد شائعاً ومنتشراً بين المسلمين ويُعتبر المسلمون أكثر الجماعات الدينية عرضةً للإبلاغ عن تعرضهم للتمييز بين الأفراد، في مواقف مثل التفاعل مع الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي 56%، أو في العمل أو المدرسة 42%، أو عند التفاعل مع الغرباء في الأماكن العامة 49%.
ولا يُستثنى الأطفال المسلمون من التعرض للتمييز على أساس ديني، وتُعدّ الأسر المسلمة الأكثر ترجيحاً للإبلاغ عن تعرض طفلها للتنمر الديني، وفي عام 2022، قال 50% من العائلات المسلمة التي لديها طفل أو أطفال في مدارس التعليم الأساسي والثانوي إن طفلهم تعرض للتنمر بسبب دينه في العام الماضي بنسبة 48% مقابل 18% من بين عامة الناس، والمثير للقلق أن 20% من العائلات المسلمة أفادت بأن التنمر يحدث بشكل شبه يومي.
وأفادت 4 من كل 10 عائلات مسلمة تعرضت للتنمر بنسبة 42% بأن المتنمر كان معلماً أو مسئولاً في المدرسة، بينما أفادت واحدة من كل خمس عائلات تقريباً بنسبة 19% أن المتنمر كان معلماً أو مسئولاً في المدرسة عبر الإنترنت وتُسلط هذه النتائج الضوء على التنمر الإلكتروني كمشكلة رئيسية تواجهها العائلات المسلمة.
وفي هذا الصدد، أكد منير أديب، الباحث في شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن الشعوب العربية والإسلامية لفظت جماعات الإسلام السياسي، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك في مختلف الأماكن التي توجد فيها هذه التنظيمات أو تسعى من خلالها إلى الوصول إلى السلطة، مشيراً إلى أن الشعوب باتت أكثر وعياً بطبيعة هذه الجماعات، الأمر الذي انعكس في موجات رفض واسعة لوجودها في المشهد السياسي، موضحاً أن هذا الرفض لم يكن لحظة عابرة، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة من التجربة السياسية مع هذه التنظيمات في أكثر من دولة.
وأوضح «أديب» أن الحالة المصرية لم تكن معزولة، بل تحولت إلى نموذج ألهم شعوباً عربية أخرى، حيث بدأت موجة مراجعة شاملة لتجارب الإسلام السياسي في المنطقة، فوفق هذا الطرح، كانت مصر نقطة البداية في سلسلة من التحولات السياسية التي يمكن تشبيهها بـ«تأثير الدومينو»، حيث تتابعت التداعيات واحدة تلو الأخرى، كما أدى سقوط تجربة الإخوان في حكم مصر إلى إعادة تقييم أوسع لدور هذه الجماعات في الحياة السياسية العربية والعالمية.
وأشار الباحث في شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، إلى أن جماعة الإخوان مارست العنف بصوره وأشكاله المختلفة، سواء كان عنفاً جنائياً أو سلوكياً أو لفظياً أو سياسياً، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى التحريض المباشر على ممارسته، موضحاً أنها أنشأت ميليشيات مسلحة، مثل حركة حسم ولواء الثورة والمقاومة الشعبية وحركة ضنك، وغيرها من التنظيمات التي مارست أعمال عنف على الأراضي المصرية، مؤكداً أن الجماعة وفّرت الغطاء والملاذ الآمن لعدد من التنظيمات المتطرفة، بما في ذلك عناصر مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي في سيناء، بل ودافعت عنها عبر منصاتها الإعلامية في الخارج، انطلاقاً من اعتقادها بأن هذه التنظيمات تخدم أهدافها.
وتابع: هذه الجماعات تورطت في استهداف أفراد ومؤسسات، حيث طالت أعمال العنف شخصيات عامة ورجالاً من الجيش والشرطة، فضلاً عن المدنيين الأبرياء، إلى جانب محاولات استهداف صحفيين، مشيراً إلى أن اغتيال النائب العام يُعد من أبرز هذه الوقائع، وأن القتل والتخريب والاغتيالات شكّلت أدوات رئيسية لدى هذه التنظيمات لتحقيق أهدافها، في مواجهة الدولة ومؤسساتها، وكل من يقف حائلاً أمام مشروعها، وذلك عبر ميليشيات أنشأتها أو خرجت من رحمها، أو من خلال ارتباطها بتنظيمات متطرفة أخرى.
وفي نقطة أكثر عمقاً، لفت «أديب» إلى أن ممارسات جماعات الإسلام السياسي، وما ارتبط بها من خطاب ديني متشدد ومتناقض، ساهمت في خلق حالة من الارتباك والنفور لدى بعض الأفراد تجاه المفاهيم الدينية ذاتها.
وقال «أديب» إن بعض هؤلاء الأفراد خلطوا بين ممارسات الجماعة وحقيقة الدين، فاعتبروا أن «الإخوان» تمثل الإسلام ذاته، وهو ما عملت الجماعة على ترسيخه من خلال شعاراتها وخطابها ومنهجها، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ أثر فكري سلبي عميق في وعي بعض الأفراد.