الجماعات المتطرفة.. ونهاية الوهم!
عندما نتحدث عن تراجع شعبية جماعات الإسلام السياسي بشكل عام، وجماعة الإخوان على وجه التحديد، على الشارع المصري، فنحن نتحدث عن أمر مفصلي وتحول جذري وكبير في مكونات الشخصية المصرية، يعكس نضجاً نابعاً من معاصرة عدد غير قليل من التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى التي شهدتها مصر والعالم، وذلك في إطار ثورة تكنولوجية تركت تأثيراً عميقاً على نمط حياة المصريين، وجعلتهم أكثر ارتباطاً بالحركة العلمية الحديثة، وفهماً للمتغيرات المختلفة، وإدراكاً لحقائق غابت عن عقولهم لعقود طويلة.
ومن هذه المقدمة نستقي السبب الأول لهذا التراجع الحاد، وهو التطور الكبير والقفزة الهائلة في مستوى الوعي الجمعي الشعبي، وذلك النضج الذي ازدانت به الشخصية المصرية الأصيلة، وهو ناتج عن حملات وعي مكثف عبر وسائل الإعلام المختلفة، والإنتاج الدرامي والتليفزيوني، ومطالعة أخبار الإقليم والعالم، ومراقبة تجارب الدول والشعوب التي احتضنت الفكر الإخواني المدمر، وكيف انتهت هذه التجارب بالدمار والخراب، حيث كان هذا الفكر مدمراً للأوطان بشكل حقيقي وفعلي، وليس من باب المجاملة أو المبالغة، فكل الدول التي اعتمدت على هذا الفكر في إدارة شئونها انتهت إما بالتخلف عن ركب الحضارة الدولية، والاكتفاء بنموذج الحياة البدائية وسكنى الكهوف والجبال، أو بسقوط البلاد في حرب شعبية مدمرة، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء، وما صاحب ذلك من ضياع للمقدرات والموارد الاقتصادية، وتشرد شعوبها بين بلاد العالم!
ويبقى السبب الثاني لهذا التراجع مرتبطاً بفقدان جماعات الإسلام السياسي لأسباب انتشارها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وحتى قيام ثورة 30 يونيو المجيدة، وهي مرتبطة بغياب الرقابة على الأنشطة الدينية والاجتماعية، والتي كانت تقوم بها هذه الجماعات في القرى والمناطق العشوائية، بالإضافة إلى غياب أنشطة تثقيف ورعاية المواطنين، واستغلال هذه الجماعات للتوسعات السكنية العشوائية في ممارسة كافة أنشطتها، ما أدى إلى انتشار حالة السيولة القانونية وعدم الوعي بخطورة ما تمثله هذه الجماعات من خطورة على الفرد والمجتمع.
كما لا يجب أن ننسى بعض المواءمات السياسية التي حدثت في مرحلة ما قبل 2011، وكيف كان لها أثر كبير في إضفاء شرعية ضمنية على هذه الجماعات، ما إن قامت الدولة باقتحام هذه المؤسسات الاجتماعية، ومارست دورها الدستوري في الرقابة والإدارة، وجمّدت أرصدة الشركات والمؤسسات المرتبطة بالأنشطة الإرهابية، وبدأت في احتضان غير القادرين عبر سلسلة من المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والدينية الفعالة، إضافة إلى استعادة دولة القانون، حتى انتهى ذلك التأثير تماماً.
كما يعتبر الصدام المسلح مع مؤسسات الدولة المصرية، سبباً رئيسياً من أسباب غياب التعاطف مع هذا الفكر المتطرف، ونحن هنا نتحدث عن واقع عاشه الجميع وحقيقة رآها الكل من قيام هذه الجماعات برفع السلاح على أبنائنا من قوات الجيش والشرطة، واستهداف الشعب بعدد كبير من الحوادث الإرهابية، إضافة إلى ثبوت الأدلة المادية القوية المدعمة بالأدلة التكنولوجية القاطعة، وعلانية المحاكمات وما تبعها من نشر لأدلة الثبوت، كل هذه الأمور حرمت جماعات الإسلام السياسي من ممارسة المظلوميات وادعاء البراءة، كما حرمتها أيضاً من فرصة إعادة كتابة التاريخ بشكل مغاير للحقيقة، ومنعتها من استخدام سرديات زائفة لإعادة إنتاجها في المجتمع، كما فعلت في كل مرة عادت فيها للحياة السياسية والمجتمعية من قبل.
وهنا تبرز أيضاً مصداقية الدولة المصرية وأجهزتها الأمنية في التوعية بخطورة المتغيرات التي تحدث في المرحلة الحالية، وتأثيرها الخطير على استقلال مصر ومكتسبات الشعب المصري، نحن نعيش اليوم ببساطة كل ما حذرت منه الدولة منذ سنوات طويلة، ونرى بأعيننا ما حذر منه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي أكثر من مرة، من خطورة مخططات إسقاط الدول وتقسيمها وتفتيت الشعوب، وآثار ذلك على الفرد والمجتمع، والكشف عن ارتباط هذه الجماعات بتلك المخططات الدولية، التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وبناء حاضنة شعبية قابلة لتهجير الأشقاء الفلسطينيين، وقتها كان البعض يتعامل مع هذه الأمور كفزاعة، أما اليوم، وبعدما تحولت هذه التحذيرات إلى أنباء نتداولها يومياً أدرك الجميع كذب هذه الجماعات وضلالها الفكري وعمالتها السياسية.
ولا ينسى أحد كيف كشفت هذه الجماعات المارقة عن علاقاتها المتعددة مع أجهزة استخبارات دولية معادية، وبدا للجميع كيف تورطوا في تنفيذ مخططاتهم بلا خجل، ولا كيف وفرت لهم هذه الدول المعادية المنصات الإعلامية المختلفة للنيل من استقرار مصر وعزيمة شعبها، وكيف استمر هذه التمويل بلا سقف ولا حدود، حتى قيّمت إحدى الصحف الأجنبية ما تحصل عليه هذه الجماعات من تمويل أجنبي مشبوه بعشرات المليارات من الدولارات، وهو تمويل لا يهدف بالطبع إلى نشر الإسلام أو نصرة المسلمين، فهذه الأجهزة وهذه الدول هي الداعم الأول للكيان الصهيوني فيما يفعله من جرائم بحق الأشقاء الفلسطينيين، فضلاً عن صمتهم المريب تجاه اعتداءات الكيان المتكررة على سبع دول عربية، ومن يدعم هذه الجرائم ويمولها ويوفر لها السلاح، من الصعب أن يكون حسن النية في هذا التمويل المشبوه!
بلغ انكشاف هذه الجماعات وتورطها في عدد غير قليل من الوقائع، ربما أبرزها الزيارات المتكررة للمؤسسات الحكومية بهذه البلدان، والتحريض على مصر بكل الطرق والوسائل، والتعاون الضمني في تنفيذ هذه المخططات، حتى أصبح إعلام الجماعات الإسلامية نسخة منقحة من إعلام الكيان الصهيوني، ومن يتابع الاثنين يجد صعوبة بالغة في التفرقة بينهما، سواء في الهدف أو التحليل أو الاستنتاج الملتوي، واللعب بالحقائق وتزييفها، ونشر الفتن ما بين المصريين عبر النشر المشترك لكافة الشائعات والأخبار المضللة في وقت واحد.
وقد بلغ هذا التنسيق حداً جديداً غير مسبوق، بالتعاون ما بين إسرائيل وجماعة الإخوان المسلمين، بتنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب، يبدو هدفها المعلن وقف القتل، والذي تمارسه إسرائيل في قطاع غزة، بينما هدفها الحقيقي الضغط على مصر للقبول بالتهجير، وتحقيق الهلاوس الإسرائيلية بإعلان ما يسمى بـ«إسرائيل الكبرى» من الفرات إلى النيل!
كما شاهدنا جميعاً كيف خرج رموزهم أكثر من مرة مطالبين باحتلال سيناء، وأدركنا السبب خلف تشكيكهم المستمر في انتصارات أكتوبر المجيدة، والتي تعتبر الحرب الوحيدة التي تفوق فيها العرب على إسرائيل، وإساءاتهم المتتالية للرموز المصرية، وهجومهم الدائم على مؤسسات الدولة!
لكن يبقى السبب الأهم والأبرز في كشف الغطاء عن هذا الفكر، هو تجربتهم في الحكم، العام اليتيم الذي قضوه في سدة الحكم كشف افتقادهم للحد الأدنى من اللياقة السياسية والنفسية لقيادة دولة بحجم مصر، وكيف تلاعبوا بالنصوص الدينية المقدسة لتمرير قوانينهم ورغباتهم المشبوهة، والتي كان أخطرها فصل قناة السويس عن الدولة المصرية، وبيع الأراضي الحدودية للأجانب بغية تجهيزها لتنفيذ مخطط التهجير، كما كشف كيف فشلوا في إدارة موارد الدولة، وكيف اعتدوا على المصريين المعارضين وسحلوهم في الشوارع والميادين.
فكر الإسلام السياسي كان أخطر تهديد واجه الدولة المصرية بعد استقلالها، كذبة عاشت لوقت طويل حتى ظنها البعض أمراً واقعاً، آن الأوان لهذه الكذبة أن تنكشف، كانوا يمثلون أذرعاً بلا رأس، عرائس ماريونيت يحركها طرف غامض خلف الستار، وما حدث خلال السنوات التي تلت ثورة 30 يونيو، هو ببساطة أننا عرفنا الرأس الذي يحرك هذه الأذرع، واليد التي تحرك هذه العرائس!