مصر وغزة.. موقف ثابت حين تتبدل الأولويات

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

في وقتٍ تتراجع فيه أضواء الاهتمام العالمي بقضية غزة، وتخفت معه وتيرة الحديث عن إعادة الإعمار وتخفيف المعاناة الإنسانية، تواصل مصر تحركها علي الأرض بهدوء لافت، بعيداً عن الضجيج، لكنها حاضرة بالفعل والتأثير، فبينما ينشغل العالم بملفات أخري، تظل القاهرة لاعباً رئيسياً في دعم الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي للضمير الإنساني والدور الإقليمي.. منذ اندلاع الحرب، لم تتعامل مصر مع المشهد من زاوية المتابعة أو الانتظار، بل بادرت إلي تحرك واسع النطاق، إنسانياً وسياسياً، واضعة نُصب أعينها هدفاً واضحاً: تخفيف معاناة المدنيين، والحفاظ علي بقاء القضية الفلسطينية حية في وجدان العالم، وفي هذا السياق، قادت أكبر جسر إغاثي إلي قطاع غزة، حيث تجاوز حجم المساعدات المصرية 900 ألف طن من المواد الغذائية والوقود والمستلزمات الطبية والأدوية والخيام والملابس، تم نقلها عبر نحو 46 ألف شاحنة، لتشكل ما يقارب 75% من إجمالي المساعدات الدولية التي وصلت إلي القطاع.

ولم تتوقف هذه الجهود في وقت من الأوقات، بل استمرت في التدفق بشكل منتظم.. ففي الأيام الأخيرة، وصلت قافلة «زاد العزة.. من مصر إلي غزة» رقم 175، محملة بأكثر من 5 آلاف طن من المساعدات المتنوعة، شملت سلالاً غذائية ودقيقاً ومواد إغاثية، إضافة إلي كميات من الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات والمرافق الحيوية. كما تضمنت القافلة تجهيزات أساسية لإيواء المتضررين، بينها آلاف القطع من الملابس الشتوية والبطاطين، إلي جانب آلاف الخيام التي توفر مأوي مؤقتاً للأسر التي فقدت منازلها. علي الأرض، تمثل هذه المساعدات شريان حياة حقيقياً لسكان غزة، إذ تسهم بشكل مباشر في دعم صمودهم في مواجهة أوضاع إنسانية بالغة القسوة، فرضتها ظروف الحصار ونقص الموارد الأساسية، وفي هذا الإطار ظل معبر رفح مفتوحاً من الجانب المصري، ليس فقط لإدخال المساعدات، بل أيضاً لاستقبال الجرحي والحالات الإنسانية، في خطوة تعكس التزاماً عملياً يتجاوز التصريحات إلي الفعل المباشر.

سياسياً، لم تكتف مصر بالدور الإغاثي، بل واصلت تحركاتها الدبلوماسية بالتشاور مع قوي دولية فاعلة، بهدف تهيئة المناخ لإعادة إعمار غزة وضمان عدم تراجع المواقف الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية، خاصة في ظل محاولات الضغط التي تمارسها إسرائيل علي بعض الأطراف. وقد نجحت هذه التحركات في تثبيت موقف دولي رافض لتهجير سكان القطاع، وهو ما اعتبره مراقبون أحد أهم المكاسب السياسية في هذه المرحلة، حفاظاً علي جوهر القضية الفلسطينية.

ورغم ما تتعرض له مصر من حملات تشكيك عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، فإنها تواصل أداء دورها دون الانجرار إلي هذه السجالات، مفضلةً أن تترك أفعالها علي الأرض تعكس حقيقة موقفها.. فالتاريخ، كما يري متابعون، يسجل أن مصر كانت ولا تزال في صدارة الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، سواء عبر المواقف السياسية أو التحركات الإنسانية.

في المحصلة، تبدو القاهرة اليوم وكأنها تقدم نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات، يجمع بين العمل الإنساني المكثف، والتحرك السياسي المتوازن، في وقت تتزايد فيه التحديات. نموذج يؤكد أن الدور الحقيقي لا يقاس بحجم الضجيج، بل بقدرة الفعل علي إحداث فارق ملموس في حياة الناس.. وهو ما يحدث يومياً علي حدود غزة. في النهاية، تكشف تطورات المشهد في غزة بوضوح الفارق بين من يكتفي بإعلان المواقف، ومن يترجمها إلي حضور فعلي علي الأرض. وفي هذا السياق، تواصل مصر أداء دورها بثبات، ليس باعتبارها طرفاً يراقب من بعيد، بل باعتبارها دولة تدرك حجم مسئوليتها السياسية والإنسانية والتاريخية تجاه الشعب الفلسطيني، فبينما خفتت أصوات كثيرة وانشغل البعض بحسابات أخري، بقيت القاهرة حاضرة بالفعل، تفتح مسارات الدعم، وتتحرك دبلوماسياً، وتؤكد يوماً بعد يوم أن القضية الفلسطينية لا تزال بالنسبة لها قضية أمن ومبدأ وضمير.. ومن ثم، فإن الدور المصري في غزة لا يمكن النظر إليه باعتباره مساهمة عابرة، بل كأحد الأعمدة الأساسية التي ساهمت في تخفيف المعاناة، والحفاظ علي بقاء القضية حية في لحظة بالغة القسوة، وهنا تحديداً تتجلي قيمة المواقف الحقيقية: لا فيما يقال عنها، بل فيما تصنعه علي الأرض.

فالدول لا تقاس مكانتها في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، حين يصبح الصمت تواطؤاً، ويغدو التحرك مسئولية لا تقبل التأجيل، ومن هذه الزاوية يكتسب الدور المصري أهميته، ليس فقط لأنه يقدم دعماً مباشراً في لحظة شديدة الصعوبة، بل لأنه يعكس أيضاً تمسكاً ثابتاً بموقف لم يتغير رغم تعقيدات المشهد وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، فبينما بدت أطراف كثيرة أسيرة الحسابات أو المواقف المؤقتة، ظلت مصر تتعامل مع ما يجري في غزة باعتباره قضية تتجاوز حدود السياسة اليومية إلي ارتباط أعمق بالأمن القومي، والواجب الإنساني والانحياز التاريخي لحقوق الشعب الفلسطيني.

ولهذا، فإن ما تقوم به القاهرة اليوم لا يمكن اختزاله في أرقام القوافل أو حجم المساعدات فقط، رغم أهميتها الكبيرة، بل يمتد ليعبِّر عن حضور سياسي وإنساني متكامل، يدرك أن إنقاذ الإنسان الفلسطيني من الجوع والمرض والتشرد هو جزء لا ينفصل عن حماية القضية نفسها من التهميش أو التصفية. وفي وقت تتبدل فيه الأولويات سريعاً علي الساحة الدولية، يبقي ثبات الموقف المصري رسالة واضحة مفادها أن غزة لن تُترك وحدها، وأن معاناة أهلها ستظل حاضرة في قلب التحرك المصري، عملياً وسياسياً، إلي أن تجد هذه المأساة طريقها إلي نهاية عادلة تحفظ للإنسان كرامته وللقضية الفلسطينية مكانتها وليبقي الحديث عن فلسطين مستمراً.