كيف تحولت ذاكرة المجتمعات إلى سلاح مضاد لتنظيم الإخوان الإرهابي؟
كيف تحولت ذاكرة المجتمعات إلى سلاح مضاد لتنظيم الإخوان الإرهابي؟
لم تعد جماعات الإسلام السياسي مجرد وجود عابر في الساحة، بل تحولت مع الوقت إلى شبكة فكرية معقدة قادرة على التكيف وتغيير شكلها حسب الظروف، وبرغم اختلاف الأسماء والتنظيمات، ظلت الفكرة الأساسية واحدة، فمنذ نشأة تنظيم الإخوان الإرهابي، مرورًا بالتنظيمات السرية، ووصولًا إلى جماعات أكثر تشددًا مثل «القاعدة» و«داعش»، يتضح أن مسارها واحد، لكنه يتطور مع الوقت ويظهر في أشكال أكثر عنفًا تجاه الشعوب.
وحدة المرجعية وتعدد الواجهات.. الأيديولوجيا تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن
هذا الامتداد لم يكن مجرد تتابع زمني، بل تعبير عن بنية فكرية قادرة على الانتقال بين السياقات، حيث تتبدل الشعارات وتُعاد صياغة الخطابات، بينما تظل الركائز الأساسية ثابتة، مركزية التنظيم، أولوية الولاء له على حساب الدولة والوطن، والنظر إلى المجتمع باعتباره مجالًا مفتوحًا للاستقطاب وإعادة الهندسة الأيديولوجية.
في هذا السياق، برزت أسماء تحولت إلى علامات فارقة في مشهد العنف العالمي، إذ يقول الباحث عمرو فاروق، إن أخطر ما خلفته هذه التنظيمات وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، لا يقتصر على الخسائر المادية أو الأمنية، بل يتمثل في الإرث الذهني والنفسي الذي أعاد تشكيل وعي المجتمعات، موضحًا أن آلية «تدوير الفكرة» ظلت العامل الحاسم في استمرارية الظاهرة، حيث تنتقل من إطار تنظيمي مغلق إلى تشكيلات مسلحة، ثم إلى شبكات عابرة للحدود، دون أن تفقد جوهرها الأيديولوجي.
ويضيف «فاروق» لـ«الوطن»، أن التجربة العربية تحديدًا أفرزت تحولًا نوعيًا في إدراك خطورة الخطابات الفكرية للجماعات الإرهابية، إذ لم تعد الشعوب تتعامل مع الخطاب الأيديولوجي بوصفه وعدًا خلاصيًا، بل بوصفه تجربة مُختبرة ارتبطت بمشاهد الفوضى والانقسام ومحاولات تقويض الدولة، فهذا التراكم في الخبرة أنتج ما يمكن وصفه بـ«مناعة مجتمعية»، أسهمت في تراجع القدرة التعبوية لهذه التنظيمات، وأضعفت فاعلية خطابها التقليدي.
تحولات الإسلام السياسي.. من البنية الدعوية إلى هندسة العنف العابر للحدود
وأكد أن الانتقال من التنظير الفكري إلى العنف العابر للحدود للجماعات الإرهابية لا يبدو قفزة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لمسار تصاعدي اُستثمر في الأزمات السياسية، وهشاشة بعض الدول، والقدرة على توظيف الدين كأداة تعبئة وحشد.
وأكد أن التحول الأبرز في المرحلة الراهنة يتمثل في تراجع البيئة الحاضنة لأفكار التنظيمات الإرهابية، حيث لم تعد هذه التنظيمات قادرة على التحرك بالمرونة ذاتها، ليس فقط بفعل الضغوط الأمنية، بل نتيجة انكشاف خطابها أمام وعي عام أكثر نقدًا، لافتًا إلى أن بقاء الفكرة لا يضمن استعادة الزخم، في ظل ذاكرة جمعية باتت أكثر قدرة على الربط بين الشعارات والنتائج.
وأوضح أن المواجهة مع التنظيم الإرهابي وغيره تجاوزت بعدها الأمني لتصبح معركة تفكيك بنيوي للأطر الفكرية التي سمحت بتمدد الظاهرة لعقود، إذ لم يعد الرهان على تغيير الأسماء والواجهات كافيًا لإعادة إنتاج قبول تواجد التنظيمات الإرهابية في المجتمعات، فالمجتمعات التي علمت كلفة التجربة وذاقت مراراتها، حتى لفظتها، تبدو اليوم أقل استعدادًا للانخداع بالخطابات العاطفية، وأكثر ميلًا للاحتكام إلى النتائج الملموسة.