قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.. رؤية لإنهاء النزاعات وترسيخ مبدأ المواطنة
قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.. رؤية لإنهاء النزاعات وترسيخ مبدأ المواطنة
على مدار أكثر من 80 عاماً، ظل ملف الأحوال الشخصية للمسيحيين محلاً للنقاش، منذ تطبيق لائحة 1938 التي اعتبرها كثيرون غير معبرة عن الواقع ولا عن التطورات الاجتماعية والدينية.
ومع تعاقب السنوات، تفاقمت الأزمات المرتبطة بالطلاق والزواج الثاني والنفقة والحضانة، ما أدى إلى حالة من التخبط القانوني بين المحاكم المدنية واللوائح الكنسية، ومن هنا جاء مشروع القانون الجديد ليضع حداً لهذه الإشكاليات من خلال صياغة موحدة تضم مختلف الطوائف المسيحية في مصر، في سابقة هي الأولى من نوعها، باعتباره خطوة مفصلية نحو تحقيق الاستقرار الأسري وترسيخ مبدأ الاحتكام إلى الشريعة الخاصة بكل طائفة، وفقاً لنصوص الدستور.
«زكي»: تحديث التشريعات ضرورة لمواكبة تحديات العصر وصون حقوق الأسرة
وفي هذا السياق، قال أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، إن رؤية الطائفة الإنجيلية بمصر لقانون الأحوال الشخصية الجديد تنطلق من أهمية الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع، مشيراً إلى أن التوجه نحو إصدار تشريعات حديثة يعكس استجابة حقيقية للتحديات الاجتماعية الراهنة، ويؤكد ضرورة صياغة قانون متكامل برؤية شاملة يحفظ تماسك الأسرة ويصون حقوق جميع أفرادها. وأضاف «زكي» أن إعداد هذه القوانين جاء ثمرة حوار مجتمعي واسع ومشاركة فعالة من المتخصصين، بما يعزز من فرص تحقيق العدالة داخل الأسرة، مشيراً إلى أن الطائفة تدعم هذا المسار التشريعي بشكل كامل باعتباره خطوة مهمة نحو ترسيخ قيم العدالة والمسؤولية المشتركة بين أطراف الأسرة وبما يواكب تطورات المجتمع، معرباً عن تطلعه إلى سرعة مناقشة القانون وإقراره لما يمثله من أهمية في تحقيق الاستقرار المجتمعي.
«طلعت»: استحقاق تاريخي ونقلة نوعية في التشريع المصري
فيما قال يوسف طلعت، المستشار القانوني للطائفة الإنجيلية بمصر، إن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين يمثل استحقاقاً تاريخياً غير مسبوق، ويأتي استكمالاً لمسار الاستحقاقات الدستورية التي أقرها دستور 2014 بما يعزز مبادئ المواطنة والمساواة، مضيفاً أن القانون يُعد الأول من نوعه في تاريخ التشريع المصري، حيث ينظم هذا الملف الحيوي بشكل موحد بعد أن كان يعتمد على لوائح متفرقة إلى جانب بعض الأحكام الأخرى.
وأوضح أن من أبرز ملامح رؤية الطائفة نجاح الكنائس المصرية في التوافق على قانون موحد يجمع بينها في أغلب مواده، مع الحفاظ على خصوصية كل كنيسة في بعض البنود، دون الإخلال بالإطار العام، متابعاً بأن مشروع القانون راعى تحقيق التوازن داخل الأسرة وانتصر لحقوق المرأة والطفل مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في الحد من النزاعات.
«باخوم»: يعزز دولة المواطنة ويحل أزمات قضائية ممتدة ويحفظ كرامة الإنسان
وأشار إلى أن من أهم ما يتضمنه المشروع استحداث ضمانات اجتماعية جديدة، من بينها النص على وثيقة تأمينية تُصرف لصالح الزوجة في حالات الطلاق المرتبطة بالزوج، وهو ما يعكس توجهاً نحو تعزيز الحماية الاقتصادية للمرأة داخل الأسرة. ومن جانبه، قال الأنبا باخوم، النائب البطريركي لشؤون الأبرشية البطريركية للأقباط الكاثوليك، لـ«الوطن»، إن هذه التوجيهات تأتي كإشارة مهمة نحو تعزيز مفهوم الدولة المؤسسية وترسيخ مبادئ العدالة والمواطنة، مؤكداً أن قانون الأحوال الشخصية الجديد يمثل خطوة جوهرية لمعالجة صعوبات قضائية واقعية تعاني منها المحاكم منذ سنوات طويلة، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية. وأشار «باخوم»، في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، إلى أن توحيد المرجعية القانونية وتوضيح الإجراءات من شأنه أن يسهم في تحقيق الاستقرار الأسري، ويحفظ كرامة الإنسان داخل منظومة العدالة.
وأكد أن إقرار قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من شأنه أن يدعم حق المواطنين المسيحيين في الاحتكام إلى تشريع منسجم مع خصوصيتهم الدينية، وهو ما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويكرِّس مبدأ المساواة أمام القانون دون تمييز، لافتاً إلى أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر يمثل محطة فارقة في مسار التنظيم التشريعي لشؤون الأسرة، حيث يحظى بدعم واضح من الكنائس المصرية، التي أكدت أن المشروع يأتي استجابة لحاجة ملحة لتحديث القوانين بما يتوافق مع متغيرات الواقع الاجتماعي، ويعالج الإشكاليات التي كشفت عنها الممارسة العملية على مدار سنوات طويلة.
«حليم»: يمثل توافقاً كنسياً شاملاً ويضع حداً للتحايل وتغيير الطائفة
وفيما قال المستشار جميل حليم، ممثل الكنيسة الكاثوليكية بمصر بخصوص قانون الأحوال الشخصية للأقباط، إن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين يتكون من 138 مادة و7 أبواب، الباب الأول يشمل الزواج وما يتعلق به ويتكون من 5 فصول تشمل الزواج والنفقات والحضانة والرؤية والنسب والميراث والعقوبات.
وأضاف أن اهتمام السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بصدور قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، تسبب في سعادة غامرة لكل مصري، يسعد بإقامة دعائم دولة المواطنة الحقيقية، ما يجعل هناك بارقة أمل في أن يخرج القانون للنور مع دور الانعقاد الحالي، بحسب دور القانون في النقاش.
وقال إن المشروع يتميز بكونه قانوناً توافقياً، إذ وافقت عليه جميع الكنائس المشاركة في صياغته، وهي الكاثوليكية والأرثوذكسية والروم الأرثوذكس والإنجيلية والسريان الأرثوذكس، مؤكداً أنه يتوافق مع المادة الثالثة من الدستور التي تنص على أن مبادئ شرائع المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.
وأوضح أن القانون وضع ضوابط دقيقة للخطبة، منها اشتراط اتحاد الملة، والحصول على شهادات خلو موانع، وتحديد سن أدنى للخطبة، وتوثيق كافة البيانات والاتفاقات، مع إتاحة إمكانية العدول وفق ضوابط محددة تحفظ حقوق الطرفين، مضيفاً أن القانون نص أيضاً على أسباب واضحة للطلاق لا تخالف الكتاب المقدس، من بينها بطلان الزواج أو الغش أو وجود موانع شرعية، كما أنه لا وجود لما يسمى بـ«الزنا الحكمي» في مشروع القانون الجديد.
وقال إن القانون أكد أن الزواج المسيحي رباط ديني مقدس يتم بين رجل وامرأة ولا ينحل إلا وفقاً لنصوص محددة، كما ألزم بعرض النزاعات على الصلح أولاً، وطلب رأي الرئاسة الدينية المختصة قبل إصدار الأحكام، مع إتاحة إمكانية التصالح بعقد جديد بعد الطلاق.