طه حسين وعلي أمين

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

من أمتع وأغنى الحوارات التي قام والدي المنتج والسيناريست الكبير ممدوح الليثي بإجرائها وحكى لي عنها، رحمه الله، كانت عندما كان لا يزال طالباً بالسنة الثالثة بكلية البوليس، وكان يعمل محرراً بمجلة الكلية وكلفه مجلس التحرير برئاسة المرحوم الأميرلاي محمود عبدالرحيم، كبير المعلمين، بأن يقوم بالاتصال بكبار الكتاب والأدباء، وهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لإجراء حوار معه، والكاتب الكبير علي أمين، صاحب باب «فكرة» في «أخبار اليوم»، ليحرر لهم فكرة عن البوليس، والكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، صاحب باب «همسة» في روز اليوسف، ليحرر لهم «همسة» خصيصاً عن البوليس، وانطلق والدي إلى منزل عميد الأدب العربي بالهرم بناء على موعد سابق حدده له سكرتير الدكتور طه حسين الأستاذ شحاتة.

ولقد أجرى معه حواراً بعنوان: «ساعة مع عميد الأدب العربي» بدأ يتلو أسئلته على الأديب الكبير قائلاً: إن كلية البوليس كلية عسكرية ونظامية ويتلقى الطلبة أول ما يتلقون طاعة الأوامر ويخضعون لرقابة داخل الكلية وخارجها والكلية في عهدها الجديد تدرس برنامج كلية الحقوق كاملاً إلى جانب برنامج كلية البوليس، ونتائج الكلية في الامتحانات لا بأس بها وإن كنا نطمع في المزيد، فما هي أقوم الطرق وأحسنها لتربية الطلبة وتنشئتهم بحيث تحقق الكلية أهدافها؟ ورد الدكتور طه حسين قائلاً: لكي تنجح كلية البوليس في أن تخطو خطوات واسعة في ظل هذا النظام الجديد المرهق يجب أن تنمي في الطالب خصلتين: خصلة حب العلم والطموح الدائم إلى المعرفة، وخصلة حب النظام والحرص عليه والإنكار لكل من يخالف النظام ويميل إلى الاضطراب.

وهنا سأل الدكتور الأديب عن رأيه في النظام الجامعي من حيث تقسيم العام الدراسي إلى فصلين دراسيين وعما إذا كانت هناك فائدة منه للطالب من الناحية العلمية؟ فرد فوراً قائلاً: أما أنا فلا أحب هذا النظام، لأنه يضيع الكثير من وقت الطالب ويشغله بالامتحان عن الدرس والبحث والتحصيل، فالطالب لا يكاد يدرس في كل فترة إلا شهرين أو أكثر منهما قليلاً، ومعنى ذلك أنه يضيع أكثر العام في الإجازات والامتحانات، وأخشى أن يكون لهذا النظام أثر غير محمود في المستقبل العلمي لهذا الجيل، فسأل الأستاذ الكبير: هل لسيادتكم ملاحظات معينة نحو الجيل الجديد من الناحيتين العلمية والاجتماعية؟ قال: أما من الناحية العلمية فأتمنى له أن يكون أشد حباً للمعرفة وأكثر حرصاً على القراءة. وأما من الناحية الاجتماعية، فأتمنى له ألا يسرف على نفسه في التردد على دور السينما وقراءة الصحف الهازلة والاستماع لكثير من السخف الذي يصبه الراديو في الآذان والعقول، وسأله والدي عن رأيه فيما يسمى الأدب الجنسي أو أدب المراهقين، وهل يرى في هذه الكتابات السافرة الوصف الدقيق للمشاعر والأحاسيس كما يرى بعض الداعين إلى هذا النوع من الأدب أن فيه إصلاحاً وتهذيباً وتقويماً للمراهقين، أم أن فيه تشجيعاً ودفعاً إلى تيار جارف؟ رد قائلاً: كلا، إن أهم ما في هذا النوع من الكتب أنها تثير الغرائز وتغري الشباب لشراء هذه النوعية من الكتب، فهذا النوع من الإنتاج أنفع لجيوب الناشرين منه لعقول الشباب وأخلاقهم وإغوائهم.

ثم استطرد قائلاً: ومع ذلك فأنا أعتقد أن الأدب العربي ما زال بخير، لأني أكره التشاؤم وأؤثر عليه الأمل والتفاؤل وحسن الظن بشبابنا، ومازال بيننا بحمد الله مَن يحب هذا الأدب العربي ويخدمه وينتج فيه إنتاجاً قيماً واعفني من ذكر الأسماء، وما كاد ينتهي من حديثه مع الدكتور الكبير حتى دخلت عليهما فتاة لبنانية قدمت نفسها للدكتور طه حسين قائلة: اسمي نورا سالم، طالبة بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية ببيروت، وجئت اليوم لأول مرة إلى القاهرة جئت فقط لأتحدث إلى سيادتكم، فابتسم لها وهو يمد يده نحوها، ثم أشار إلى والدي وسألها ماذا يطلقون على مثل هذا الشخص عندك؟ فقالت بلهجتها اللبنانية شرطة، وهنا أدار وجهه نحوه، وقال أود أن تستعملوا هذه الكلمة هنا فهي أقرب إلى الأدب العربي. وبعد نشر هذا الحوار مع الأديب الكبير بثلاثة أشهر صدر القرار الجمهوري بتغيير كلمة البوليس إلى شرطة، وهكذا أسهم والدي رحمه الله مع أديبنا الكبير في تعديل المسمى إلى الشرطة، الذي أصبح سارياً حتى اليوم.

أما المقابلة التالية فكانت مع الكاتب الكبير علي أمين، وكما حكى لي والدي -رحمه الله- أنه ذهب بلا موعد لدار أخبار اليوم لمقابلته وتوجه إلى سكرتيرته وطلب منها أن تنقل إليه رغبة مجلة كلية البوليس في أن يحرر لها فكرة يدور موضوعها عن البوليس، وشرع في الانصراف على أن يعود بعد عدة أيام، ولكن السكرتيرة استبقته وبعد ثوانٍ دعته للدخول لمقابلة كاتبنا الكبير الذي رحب به بشدة، حيث أعاد عليه نفس الطلب ولم يرفض طلبه، واستبقاه هو أيضاً ووجده يخرج ورقة فولسكاب ليكتب أمامه فكرة وبعد خمس دقائق بالضبط مد يده لوالدي بالفكرة ليطلع عليها ليكتشف والدي أنه لا يوجد شطب واحد بالمقال الذي كتبه الأستاذ علي أمين في هذه الدقائق، وكانت هذه هي فكرة أستاذنا علي أمين:

فكرة... بقلم أ. علي أمين.

«إنني أتوقع أن يرتفع مستوى ضابط البوليس في العشرين سنة القادمة، وأتوقع أن أرى معظم عساكر البوليس من حملة الثقافة والتوجيهية، وأتوقع أن يرتفع مستوى الشعب، فيساعد رجل الشارع رجال البوليس على أداء مهمتهم، ولا يضع في طريقهم العقبات والمتاعب، وأتوقع أن يصبح الذهاب إلى مركز البوليس عملية سهلة سريعة، لا عملية معقدة كما هي الحال الآن، فالمجنى عليه بعيد النظر لا يذهب إلى مركز البوليس في هذه الأيام، إنه يفضل الشكوى إلى الله على أن يضيع وقته مع عسكري جاهل وضابط عصبي مرهق بأعباء لا يمكن أن يتحملها البشر، وأتوقع أن يظهر في العالم تليفون شخصي يحمله الناس في جيوبهم ويستطيع ضابط النقطة أن يتصل بعسكري البوليس وهو واقف في الشارع، ويمكن العسكري في نفس الوقت من الاستنجاد ببوليس النجدة دون حاجة إلى البحث عن تليفون، وأتوقع أن يرتفع مستوى المعيشة في بلادي، وبذلك تقل الجرائم الصغيرة التي تحدث بسبب الفقر والجهل والحرمان، وأتوقع أن يرفع عن كاهل البوليس معظم الأعباء الحالية، فلا يكلف بمراقبة ارتفاع الأسعار لأن الأسعار ستنخفض، ولا يكلف بمطاردة العشاق لأننا سنفرق بين مهمة رجل الدين ورجل البوليس، وأتوقع أن تستعين أقسام البوليس في المستقبل بأجهزة أوتوماتيكية تخفف العبء الكتابي على ضابط البوليس، وتخلصه من الروتين الممل الذي يعيش فيه، ومن يعرف؟! قد تظهر اختراعات جديدة ترفع مستوى الشعب، وتخفض أسعار الحاجيات وتضمن عملاً مستمراً لكل إنسان، وهنا سنسمع أن مهمة ضابط البوليس قد انتهت ونسمع عن ضابط بوليس أوتوماتيكي يحل محل الضابط الحالي، كما رأينا علامات المرور الأوتوماتيكية تحل محل عسكري المرور».

ويبدو أن كاتبنا الكبير الأستاذ علي أمين كان متفائلاً بتحسن الظروف الاقتصادية في العالم، بل في بلادنا، والتي ستؤدي إلى إلغاء رجل الشرطة، ولم تتحقق أحلام كاتبنا الكبير الأستاذ علي أمين.

وللحديث بقية.