من أروقة المستشفى إلى قاعة الزفاف بساق واحدة وعكازين.. «أحمد» و«فريال» ينتصران على جراح الحرب في غزة
من أروقة المستشفى إلى قاعة الزفاف بساق واحدة وعكازين.. «أحمد» و«فريال» ينتصران على جراح الحرب في غزة
كتبت- رؤى ممدوح وأحمد أبو دراع:
أمام إحدى قاعات الأفراح بمنطقة العبور، شمال شرق العاصمة القاهرة، تشكل مشهدٌ يختزل حكاية ما عاشه الغزيون على مدار عامين من العدوان الإسرائيلي، على قدم واحدة وعكازين تارة، وبالاستناد إلى الحائط أو أكتاف الأصدقاء تارة أخرى، ترجل العروسان الفلسطينيان أحمد رفيق وفريال أحمد من سيارة الزفاف البيضاء.
لم تكن خطواتهما متسارعة كباقي العرسان، بل كانت مترددة ومفعمة بحذر الخوف من التعثر والسقوط.
داخل القاعة الواسعة تعالت أصوات الأغاني الفلسطينية التراثية، ووسط أجواء مبهجة حاولت إضفاء السعادة على واقع مرير، كان «أحمد» ،30 عاماً، يتراقص بجسده المنهك، تارة يوازن نفسه على قدم واحدة، وتارة أخرى يجلس على كرسيه ليتمايل مع الأنغام، بينما تقف بجانبه «فريال» البالغة من العمر 22 عاماً، التي لم تمنعها ساقها المبتورة من أن تكون عروس الفرح، فيما بدا المشهد مزيجاً من الفرح المنقوص بغياب الأهل، والانتصار الكبير على فكرة الاستسلام، إذ كانت القاعة تعج بعشرات الفلسطينيين المصابين والذين تم إجلاؤهم للعلاج في المستشفيات المصرية.
التعارف والارتباط
يحكي الشاب الثلاثيني تفاصيل تعرفه على زوجته، إذ لم يبدأ هذا الحب في مقهى أو جامعة كما هو المعتاد، بل في أروقة المستشفى الإماراتي العائم بمدينة العريش، شمال شرق شبه جزيرة سيناء، حيث التقى الاثنان في فبراير 2025، كلاهما كان يلملم أشلاء روحه وجسده، ويقول «أحمد» الذي أصيب في سبتمبر 2024 إثر قصف إسرائيلي استهدف منزله بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة: «قضيت 6 أشهر كاملة دون علاج لنفاذ المواد الطبية في القطاع، تهشمت ركبتي اليسرى وأصيبت باقي ساقي بشظايا ، وكنت أستخدم العكازين لأتحرك».
يشرد ببصره ويضيف: «لما خرجت عشان أتعالج في مصر لقيت نفسي وحيد في غربة قاسية، والعمر بيجري بيا وصار عمري ثلاثين، وكان عنديي أحلام وحياة خططت لها في غزة، كنت بستعد للارتباط وعندي شقة وجهزت حياتي، لكن العدوان دمر كل شيء».
وداخل أروقة المستشفى العائم المليئة بالوجع والقصص المؤلمة، جمعه القدر بـ«فريال»، الشابة العشرينية التي كانت ترقد فوق أحد الأسرة بلا مرافق، تأن من الألم، فساقها اليسرى مبتورة من أعلى الركبة، وتعاني من إصابة في ساقها اليمنى استلزمت زراعة مفصل، إذ كانت تلك الظروف سبباً كافياً للفت انتباه «أحمد» ويصفها: «كانت وحيدة فقدت كل أسرتها، ورغم هيك كنت بشوف فيها حب للحياة وإصرار على الأمل بإنها توقف على رجليها من جديد»، فيما يقول إن لم القرار لم يكن عاطفياً فحسب، بل كان قراراً بـ«الونس»: «حمل الليالي خفيف لما يشيلوه اتنين، وشعرت أن من حقها أن تعيش وتتزوج وتبني عائلة تعوضها عن عائلتها التي استشهدت،واتواصلت مع أهلها هناك ووافقوا وروحنا المحكمة وعملنا عقد الزواج ومشي الحال الحمدلله ».
مجزرة لا تزال في الذاكرة
أما «فريال» التي جاءت من شمال القطاع رفقة ذويها لتنزح أكثر من 10 مرات قبل أن يستقر بها الحال في المنطقة الوسطى، فتعيش لحظات الفرح بغصة لا تفارقها، تتذكر ليلة القصف في أواخر 2024: «في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سقطت القنابل فوق رؤوسنا، استشهدت عائلتي بالكامل، 31 فرداً رحلوا في ثانية كانوا أشلاء، وما بقي غيري وثلاثة فقط من الأسرة».
تصف الشابة العشرينية إصابتها بأنها وجع مستمر، لكنها ترى في زواجها من «أحمد» طوق نجاة: «كنت خايفة جداً لما دخلت على مصر في فبراير السنة الماضية، كان كل شئ مجهول، أول مرة أسافر، وكمان مصابة ولحالي، ما بقدر أمشي ومحتاجة مساعدة ومافي حدا معي، ورغم بتر ساقي واللي مريت فيه من عمليات جراحية مؤلمة، إلا أنني أعتبر أن الله كتب لي عمر جديد، وأحمد بالنسبة لي الظهر اللي بيحميني وبنتعكز على بعض»، فيما تقول أن الكلمات لا تسعفها لتصف مشاعرها في يوم زفافها: « يوم فرحي كان حلم، ورغم أن الغصة في قلبي لغياب أهلي رحمة الله عليهم واللي كان نفسهم يشوفوني عروسة بالفستان الأبيض، إلا أنني شعرت أن الله سخر لي ولاد الحلال اللي ما تركوني لحظة وحاولي يعوضوني عن كل شئ فقدته».
وبينما يتبادل الزوجان الوعود والرقصات في قاعة الزفاف، إلا أن غزة لم تغب عن ذهنيهما، وبالنسبة لـ«أحمد»، فإن العودة إلى القطاع هي قرار مؤجل بانتظار استكمال العلاج، إذ يقول إنه أحلم فقط أن يقف على قدميه مرة أخرى، ويستعيد قدرته على المشي: «عندها سأحمل روحي وأعود لأرضي اللي اتولدت فيها، واحنا مش مجرد قصة ارتباط ولكن رسالة صمود، احنا زوجان قررنا إنه ما نترك الحرب تكتب الفصل الأخير في حياتنا، والأكيد إن الحب أقوى من كل الصواريخ».