مآسي التواصل الاجتماعي!

ولا تزال غرائب السوشيال ميديا، أو لنقل مآسي ضحايا السوشيال ميديا، تتواصل وتتطور بشكل لم تعد أية عبارة مناسبة أو مجسدة لخطورة وتأثير هذه الوسائل والمنصات والأدوات، أو على الأقل مجسدة للتأثير السلبي على أسلوب تعاطي أغلبنا مع هذه الوسائط والمنصات!

في أيام قلائل رأينا مسلسلاً لم يكتبه مؤلف، ولم يقم بالتمثيل به فريق مؤدين محترفين أو حتى مبتدئين، ولم يتم تتابع أحداثه في مكان أو منطقة أو تجمع فئوي أو سكني واحد!

من تلك السيدة التي أنهت حياتها أمام كاميرا الموبايل بعدما لخصت ما رأته ظرفاً حياتياً قاسياً، بعدها رأينا وتابعنا ذلك المواطن الذي أشعل النيران في «كشك سجائر» خاصته مبرراً فعلته بما اعتقد أنه استهداف أو مساس به، ثم تابعنا مداخلات فتاة يافعة بالغة عاقلة راشدة، توبخ والدها النجم المعروف في المجتمع، معددة ما رأته إهمالاً منه لها ولوالدتها مفضلاً عليهما زوجة أخرى!

وخلال الساعات القليلة الماضية، تتابع اهتمام وسائل التواصل بطبيب عثر عليه ميتاً في إحدى الدول العربية، في ظروف غامضة، واتسع اهتمام السوشيال ميديا بقصة ذلك الطبيب بأن تم استدعاء فيديوهات عديدة سبق أن أعدها الطبيب المتوفى بنفسه أو لقاءات أجريت معه، طرح فيها رؤى علاجية للعديد من الأمراض العضال بطرق مغايرة لما يجري عليه العرف والبروتوكولات العلاجية التقليدية، وبالطبع لم تخلُ تلك الفيديوهات والمداخلات من إعلان ذلك الطبيب أنه وبما يطرحه من علاجات ووصفات مغايرة سوف يستهدف مما قال إنهم مستفيدون من اتباع وسائل العلاج التقليدي، وتناولت الفيديوهات كذلك الإشارة إلى العقوبات التأديبية التي صدرت بحقه من نقابة الأطباء التي انتهت إلى إصدار قرار بشطبه من سجلاتها!

أنوه أولاً إلى أن هذه الوقائع هي عينة قليلة جداً يجمعها فقط أنها تتابع حدوثها في أوقات متقاربة، وهناك ما لا يُعد ولا يُحصى من وقائع وسلوكيات لا تختلف في مضامينها عما أشرت إليه من وقائع، حتى وإن اختلفت في تفاصيلها ووقائعها.

أنوه كذلك إلى أني لا أهدف مطلقاً من ذكر الوقائع المختارة تناول أي واقعة منها وبتفاصيل قد تؤثر أو تمس أية تحقيقات أو تتبع تجريه أجهزة تحقيق أو خلافه، أؤكد فقط أني أرصد ملامح سلوك مجتمعي تتسع رقعة انتشاره يوماً بعد يوم، وفي أوساط ثقافية وتعليمية واقتصادية مختلفة.

القاسم المشترك الأعظم لتلك الوقائع جميعها هو العالم الافتراضي، الذي أرى أنه وفي الفترة الحالية لم يعد كذلك، ففي مراحل سابقة قريبة، كان التداخل بين غالبية الناس فيما يعرف بالعالم الافتراضي، كان قاصراً على تعليقات وتعليقات مضادة، بما كان يعرف بكبسة زر، ولم يكن هناك تناول مباشر لتجارب حياتية أو شخصية حقيقية للبعض. وشيئاً فشيئاً باتت الصورة المتحركة (الفيديو) لغة الحوار أو الوجود، في الفضاء الإلكتروني، وتحولت كبسة الزر المجردة من أية مشاعر أو أحاسيس داخل العالم الافتراضي، إلى حوارات ومداخلات لأناس «لحم ودم» وإسهامات بحكايات وحواديت مغلفة بمشاعر وأحاسيس وصلت لأقصاها جسدت لحظات انتهاء الحياة.

بالطبع هناك استخدام آخر للسوشيال ميديا لم أشأ التعرض له هنا في هذا المقام، ولكنه يتزايد وينتشر ساعة بعد ساعة، ألا وهو التكسب من الوجود على شاشات وبرامج التواصل، بكل الطرق وغالبيتها غير مشروعة ومجرّمة.

الشاهد أننا كمجتمع، لسنا متفردين عن العديد من المجتمعات الأخرى في الإصابة بمآسي السوشيال ميديا، وربما يتميز مجتمعنا ببعض السمات مقارنة بمجتمعات أخرى، ولكن، وأشدد على ولكن.. أُحذر وأُنوه إلى ضرورة ألا ننتظر أكثر من ذلك دون أن نهتم بدراسة وبحث ما الذي يمكن أن نفعله كمجتمع لمواجهة تلك الآفات المهددة للمجتمعات.