في الأصل والفصل!
هوجة المدارس الدولية موجة وقانا الله شرها.. ما زالت التجربة في بداياتها، لذلك لا يعرف أحد كيف تكون النتائج. ولا أحد يعرف حتى الآن إن كانت فعلاً نظاماً تعليمياً أرقى وأفضل، أم أن المسألة موضة وبيزنس، جذب إليه بعض آباء يعتقدون في ارتقائهم طبقياً بأبناء متفرنجين، لا يعرفون العربية، ولا يتكلمونها، فلا يعرفون عبدالوهاب، ولا أم كلثوم، ولا يوسف إدريس.. ولا زكي نجيب محفوظ ولا حتى إسماعيل ياسين!
الإنسان يفكر باللغة.. لذلك فاللغة هي التي تحدّد سمات الشعوب.
واللغة ليست وسيلة لنقل المعلومات، أو ليست فقط طريقة للتفاهم.
هي أسلوب حياة، واللغة الفرنسية، انعكست على شعوبها في طريقة الحياة، وفي طريقة الفرنسي في تذوق الثقافة والفنون.
الإيطالية لغة رقيقة، انعكست هي الأخرى على شعوبها بالقدرة على الخلق الفني، والبراعة في التصوير والرسم، حتى في موضات الأزياء.
اللغة العربية جزلة ومعطاءة، فيها من الخيال ودقة التعبير والمترادفات أكثر من أي لغة أخرى في عائلة اللسانيات القديمة.
لذلك فالشعر عربي، والخيال عربي، والمشاعر واضحة في المفردات العربية.
العربية شديدة الدقة، لذلك فهي أكثر قدرة على نقل الأفكار وتحديد المعاني، وبالتالي هي هوية وشخصية لها خصوصية وتفرّد.
أبناؤنا في المدارس الدولية انقلب أغلبهم إلى الإنجليزية بلهجة أمريكية. واللهجة الأمريكية استهلاكية، أغلب كلماتها مُختزلة عن سياقها الأصلي وشديدة السرعة.
السنوات السبعون الأخيرة باتت المفردات في اللهجة الأمريكية مختصرة عن الاختصار. والمعنى أفكار متسرعة.. وحياة أكثر سرعة.. بمادية شديدة.
لماذا التخوف من أجيال المدارس الدولية؟
لأن الإنسان يفكر باللغة التي نشأ عليها وينتمي إليها، لأنه يكتسب ثقافتها.
اجتاحت المدارس الأمريكية تحت مسمى «التعليم الدولي» بعض دول أمريكا الجنوبية منذ الثمانيات. صحيح بعض الدول هناك قاومت هذا المد القادم من الشمال، لكن وقع آخرون في الفخ، لتفاجأ مجتمعاتهم بعد سنوات بأجيال لا تنتمي إلى بلادها ولا إلى ثقافتها ولا حضارتها.
في أمريكا اللاتينية سموهم «المواطنين المغتربين»، فهم يتكلمون كالأمريكان، ويلبسون مثلهم، ويفكرون تفكيراً أمريكياً مستهتراً أغلب الأحيان.
وبين هذه الأجيال نما حلم السفر إلى بلاد تمثال الحرية، هرباً من ثقافة محلية.. لم يعودوا يرون فيها أنفسهم! اللغة انتماء.
والشعوب المنتمية لا تتكلم إلا لغاتها، حتى مع تعليم عالٍ، وحتى مع قدرات ومهارات التحدث بلغات أخرى. الألمان نموذج ومثال.
في الشارع يندر أن يجيب ألماني على سؤال طرحته بالإنجليزية.. حتى لو كان يعرفها أو درسها، وحتى لو كان لديه قليل من مفردات تتيح له الإجابة.
الألماني شديد التمسّك بالألمانية، وفي المدارس يُعلمون الطفل أن اللغة مثل عَلَم البلاد، يجب ألا تتغير أو تنتهي، وليس مسموحاً بأن تدخلها حتى تعديلات غير مقبولة في الكلمات.
الصينيون أيضاً كذلك، ويلجأ رجال الأعمال الصينيون في صفقاتهم مع الأوروبيين إلى مترجمين، لأنه لم يطرأ على تفكيرهم تعلم الإنجليزية أو الفرنسية.
لكن اللغة في الشارع المصري تغيّرت خلال الخمسين عاماً الأخيرة.. وبسرعة.
علمياً.. تتغير مفردات اللغة.. فتتحور بعض المفردات.. وتتلاشى أخرى كل مائة عام. لكن الأجيال في الشارع المصري تتغير مفرداتها من عام إلى آخر.
المفردات الجديدة.. ركيكة، سريعة، غريبة، لا معنى لها.
ولأن اللغة وعاء للأفكار، فإذا كانت المفردات شاذة، فالأفكار هي الأخرى لا بد أن تكون كذلك.
فما بالك لو تغيّرت اللغة نفسها كلها.. عن أصلها وفصلها؟