قربان أوروبا لترامب!

يبدو أن تهديدات ترامب لأوروبا بانسحاب بلاده من الناتو قد أصبحت أكثر تأثيراً، وأن أوروبا تعيد التفكير لإرضاء ترامب بعدما أغضبته بامتناعها عن المشاركة في حربه على إيران، وبالطبع لن يكون تفكير الدول الأوروبية متجهاً إلى تغيير موقفها من عدم المشاركة في الحرب، ولكن بالضغط على إيران ليس بالأسلحة ولكن بالسياسة والاقتصاد، انطلقت الفكرة من بريطانيا على لسان رئيس وزرائها ستارمر، الذي أدلى بتصريح منذ عدة أيام مفاده أنه سيصدر تشريعاً مع مطلع شهر مايو القادم، لإدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، وأن حكومته ستقدم هذا التشريع مع بداية أولى جلسات البرلمان عقب خطاب الملك تشارلز الثالث المقرر 13 مايو.

وبالطبع لم يكن الهجوم على كنيسة في بريطانيا بزجاجات حارقة هو سبب التشريع، ولكن كما ذكرت في البداية أنه قربان لترامب وتعبير من بريطانيا عن أنها تقف عملياً ضد إيران.. ولم يقتصر الأمر على تصريح ستارمر ولكن كان هناك موقف مشابه من رئيسة المفوضية الأوروبية أوريولا فون دير لاين، حيث قالت «أؤيد وبشدة تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية»، وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من وزراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يؤيدون ذلك.. وكان تبرير المسئولة الأوروبية أن الحرس الثوري ارتكب جرائم عديدة تتعلق بحقوق الإنسان في قمع المتظاهرين، وإعدام عدد من المعارضين للنظام الإيراني.

إذن فنحن أمام موقف شبه جماعي من الدول الأوروبية ضد الحرس الثوري.. وقد تجنب المسئولون الأوروبيون الإشارة إلى ممارسات الحرس الثوري في مضيق هرمز، وفي حربه الجارية مع أمريكا وإسرائيل ضمن المبررات التي دفعت للتفكير في اتخاذ هذا القرار الآن، لأنه سبق أن رفضت الدول الأوروبية المشاركة في الحرب، لأنهم -كما صرحوا وقتها- لا يجدون مبرراً قانونياً أو أخلاقياً لشن الحرب! ظني أن هذا «القربان» الأوروبي لن يقبله ترامب وغير مجدٍ، فإذا كانت أوروبا تحترف السياسة، فإن رئيس أمريكا لا يعترف إلا بلغة القوة، وبالتالي فإنه لن يغير موقفه من الاتحاد الأوروبي ومن الناتو ومن كل دولة على حدة، وقد يمتد غضب ترامب إلى عدم المساهمة مطلقاً في دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، وهذا أخطر ما يقلق أوروبا التي تخشى من تغول بوتين أكثر في العمق الأوروبي.

ولو عدنا إلى قضية الحرس الثوري الإيراني، فأرى أنها تنقسم إلى شقين، أحدهما يتعلق بممارساته في الداخل الإيراني، وممارساته خارج الحدود الإيرانية. أما الشق الأول فأراه شأناً داخلياً لا يحق لأي دولة أن تتدخل فيه أو تحاول أن تغيره، والشعب الإيراني هو الطرف الوحيد الذي له الحق في قبوله أو رفضه أو تغييره -رغم تحفظي الشخصي على وجود فصيل مسلح موازٍ للجيش الوطني في أي دولة- وبالتالي فإن انتقاد وجود الحرس الثوري داخل إيران يعتبر منافياً للقانون الدولي الذي يمنع التدخل في الشأن الداخلي لأي دولة لأنه جزء من سيادتها. أما فيما يتعلق بممارسات ونشاط الحرس الثوري خارج الحدود الإيرانية فهو مرفوض جملة وتفصيلاً، وأراه عملاً إرهابياً، وبخاصة أنه نشاط مسلح، فأذرع إيران العسكرية المتمثلة في حزب الله بلبنان، وحماس في فلسطين المحتلة، والحوثيين في إيران، والميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا، كلها تعد تدخلاً في الشأن الداخلي لهذه البلاد ذات السيادة، والتي لها نفس حقوق وواجبات إيران، وبالتالي فإن أي نشاط عسكري للحرس الثوري خارج إيران يعتبر إرهاباً.. وهذا ينطبق أيضاً على ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي وعملياتها الإرهابية داخل الأراضي المحتلة ضد المدنيين الفلسطينيين من النساء والأطفال والعجائز والشباب العزل، وعملياتها الإرهابية المسلحة التي استهدفت الجنوب اللبناني وسوريا واليمن ومدرسة الأطفال في إيران ومقر المفاوضين الفلسطينيين في قطر. لا بد من تعريف واضح ومحدد للإرهاب، ووقتها سيتم إدراج قوات الاحتلال الإسرائيلي ضمن المنظمات الإرهابية، وسيتم تعريف الممارسات الإسرائيلية بأنه إرهاب دولة.