سيناريوهات المعضلة اللبنانية!
لا يخفى على أحد أن المساعي الإسرائيلية في لبنان تهدف إلى إطالة أمد الحرب فالعدوان الصهيوني يعمل بآلية واحدة وهي العمل على التفرقة والتفتيت والدفع إلى «اقتتال داخلي وحرب أهلية» لتحقيق هدف واحد وهو الاستيلاء على مزيد من الأراضي لتنفيذ أغراضه التوسعية التي لن يساعده فيها سوى التشرذم العربي. والحالة اللبنانية حالة خاصة ومعقدة جداً فهذا الشعب المحب للحياة واقع في مأزق سياسي قاسٍ بسبب طبيعته الطائفية، الخروج منه يحتاج إلى حكمة وصبر طويلَي المدى. فقد شهد الجنوب اللبناني أعنف الغارات الجوية رغم إعلان وقف إطلاق النار، القصف طال نحو 17 بلدة مما أدى إلى نزوح الآلاف إلى نحو صيدا وبيروت وسقوط مئات القتلى والمصابين من المدنيين والصحفيين مع تزايد المشاهد الاستفزازية لجيش الكيان الصهيوني لانتهاك البيوت في الجنوب وسرقتها.
الواقع يقول إن لبنان يقف اليوم على حافة معادلة مستحيلة؛ دولة ممزقة بين سيادة منقوصة وسلاح خارج إطارها، وبين ضغوط إقليمية ودولية لا ترحم، فيما الدم لم يجف بعد على أرض الجنوب ووسط بيروت. القضية لم تعد مجرد صراع حدودي مع إسرائيل، بل تحولت إلى اختبار وجودي لكيان الدولة اللبنانية نفسها: هل تستطيع أن تستعيد قرارها، أم ستظل ساحة لتقاطع النفوذ؟ من جهة، لا تملك بيروت رفاهية «السلام التقليدي». فالتاريخ القريب، من الاجتياحات إلى الاغتيالات والقصف، جعل أي حديث عن تطبيع مع إسرائيل أشبه بجرح مفتوح في الوعي الشعبي. الدماء، سواء لمدنيين أو صحفيين، خلقت حاجزاً نفسياً وأخلاقياً يصعب تجاوزه، حتى لو رأت بعض النخب أن الواقعية السياسية تفرض إعادة النظر.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتجاهل واقع وجود حزب الله كقوة عسكرية تتجاوز مؤسساتها الرسمية. هذا الازدواج في السلطة -دولة بجيشها، وحزب بترسانته- يضع لبنان في موقع هش: أي تصعيد بين الحزب وإسرائيل يتحول فوراً إلى حرب على لبنان كله، دون أن تكون الدولة صاحبة القرار الكامل فيها. أما العامل الدولي، فتتمثل عقدته في العلاقة مع الولايات المتحدة. زيارات الوفود اللبنانية إلى واشنطن ليست مجرد دبلوماسية عادية، بل تعكس محاولة للبحث عن مخرج اقتصادي وسياسي من الانهيار. لكن هذه العلاقة مشروطة: دعم مقابل إصلاحات، وضغوط مقابل ضبط سلاح حزب الله، وهو ما يضع القيادة اللبنانية بين مطرقة الداخل وسندان الخارج. المعضلة أن المقاومة اللبنانية حق مشروع وواجب للدفاع عن الدماء اللبنانية الحرة، كذلك الحلول الدبلوماسية هي واجب سياسي وعلمي لتجنب سفك مزيد من الدماء، لكن السؤال الآن: كيف تتم هذه المساعي الدبلوماسية ولكن بكرامة ودون تنازلات كما حذر الجانب المصري؟
السيناريوهات المحتملة لهذه الأزمة هي أولاً استمرار الوضع الرمادي وهذا هو الأرجح لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، تبادل ضربات محدود، ضغط دولي مستمر، وانهيار اقتصادي بطيء. في هذا السيناريو، يبقى لبنان رهينة التوازنات، بلا سيادة كاملة ولا استقرار فعلي. ثانياً تسوية غير مباشرة: قد تظهر صيغة «تهدئة طويلة» برعاية دولية، ربما عبر وسطاء، تضمن خفض التصعيد بين حزب الله وإسرائيل دون إعلان سلام رسمي. هذا السيناريو يسمح للبنان بالتقاط أنفاسه اقتصادياً، لكنه لا يحل جذور الأزمة. ثالثاً إعادة تشكيل الداخل اللبناني: وهو السيناريو الأصعب، حيث تنجح الدولة -بدعم داخلي ودولي- في إعادة احتكار السلاح والقرار السيادي. هذا يتطلب توافقاً وطنياً عميقاً غير متوفر حالياً، لكنه يبقى الطريق الوحيد لبناء دولة مستقرة فعلياً. رابعاً الانفجار الكبير: حرب شاملة تفرض واقعاً جديداً بالقوة، سواء عبر مواجهة واسعة مع إسرائيل أو صدام داخلي. هذا السيناريو كارثي، لكنه يظل قائماً في ظل التصعيد المستمر.
هل تمد لبنان يدها للكيان الصهيوني؟ السؤال ليس أخلاقياً فقط، بل وجودي. لبنان لا يستطيع ببساطة أن «يتنازل» أو «يمد يده» في ظل الانتهاك الدائم لحرمة الدم اللبناني ولا يستطيع الردع أيضاً في ظل غياب دولة قوية موحدة القرار. أي خيار -سواء مواجهة أو تهدئة أو حتى تقارب مع الولايات المتحدة- سيظل ناقصاً ما لم يُحسم السؤال الداخلي أولاً: من يحكم لبنان فعلياً؟ الحل الأمثل هو الاتحاد والتوافق اللبناني بين المقاومة والسلطة ولكن هذا بعيد عن الواقع.
لبنان ليس أمام خيار سهل، هو محاصر بين ذاكرة الدم وضغوط الواقع، بين مقاومة تفرض نفسها ودولة عاجزة عن فرض سيادتها. المستقبل لن يُحسم بقرار خارجي فقط، بل بقدرة اللبنانيين على إعادة تعريف دولتهم: هل تكون دولة واحدة بقرار واحد، أم تبقى ساحة مفتوحة لكل الصراعات؟ إلى أن يُجاب عن هذا السؤال، سيظل لبنان يدفع الثمن.. مرة بالدم، ومرة بالانتظار.