حين تتكلم مصر من الخارج بأصوات أبنائها

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

من ذاق نار الغربة يدرك أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو هوية لا تُمحى وذاكرة لا تُنسى. ولهذا ظل المصريون في الخارج، على اختلاف مواقعهم وتخصصاتهم، نموذجاً فريداً في التمسك بالجذور والانتماء، يحملون اسم مصر أينما ذهبوا، ويترجمون عشقهم لها إلى نجاحات تُرفع بها الرايات في المحافل الدولية.

وفي المقابل، لم تكن الدولة المصرية يوماً بعيدة عن أبنائها في الخارج، بل حرصت على أن تبقى خيوط التواصل ممتدة، تجسدها بوضوح توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي وضعت ملف رعاية المصريين بالخارج في صدارة الأولويات.

ووجّه الرئيس مؤخراً بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج، وتكثيف قنوات التواصل مع الجاليات المصرية، هذه التوجيهات لم تأتِ كإجراء روتيني، بل عكست رؤية شاملة تقوم على تعميق الصلة بالمغتربين، وتقديم أعلى مستويات الدعم لهم، من خلال تفعيل قنوات التواصل المباشر، ومتابعة أوضاعهم، والاستجابة لاحتياجاتهم بشكل مستمر.

وهذا الاهتمام يتجاوز الإطار الإنساني التقليدي، ليؤسس نهجاً استراتيجياً يعيد تعريف دور الجاليات المصرية حول العالم، فالمصري في الخارج لم يعد مجرد مغترب يسعى لتحسين ظروفه المعيشية، بل أصبح أحد أعمدة القوة الناعمة للدولة، وسفيراً غير رسمي ينقل صورة مصر بثقافتها وتاريخها وقيمها إلى المجتمعات التي يعيش فيها، ومن هنا، فإن تعزيز العلاقة مع هذه الجاليات يمثل استثماراً طويل الأمد في مكانة مصر الدولية.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وتنافساً حاداً على النفوذ، والاستثمار، تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة، فالجاليات المصرية تمثل ثروة حقيقية، ليس فقط بما تقدمه من تحويلات مالية تُعد من أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، بل أيضاً بما تمتلكه من خبرات نوعية وشبكات علاقات واسعة داخل الدول المضيفة، هذه الشبكات قادرة على فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد المصري على النمو والانفتاح.

ولا تقف مكاسب مصر عند هذا الحد، بل تمتد إلى أبعاد أكثر عمقاً وتأثيراً، فوجود جاليات مصرية ناجحة ومندمجة في مجتمعاتها يسهم بشكل مباشر في تحسين الصورة الذهنية عن مصر عالمياً، ويعزز من جاذبيتها السياحية والاستثمارية، فحين ينجح المصري في الخارج، فإنه لا يحقق إنجازاً فردياً فحسب، بل يضيف لبنة جديدة في صرح سمعة وطنه.

وهنا تبرز أهمية بناء جسور الثقة بين الدولة وأبنائها بالخارج، فكلما شعر المصري المغترب بأن وطنه يسانده ويحمي مصالحه، ازداد ارتباطه به، وارتفعت رغبته في رد الجميل، سواء عبر الاستثمار، أو دعم الاقتصاد، أو حتى الدفاع عن صورة مصر في المحافل الدولية. هذه الثقة تمثل حجر الأساس في تحويل الجاليات إلى قوة فاعلة ومؤثرة في دعم الدولة.

ومن ناحية أخرى، فإن الدور المنتظر من المصريين في الخارج لا يقل أهمية عن دور الدولة، فالحفاظ على صورة إيجابية عن مصر، والالتزام بالقوانين، وإظهار القيم الحضارية، كلها عناصر تعزز من مكانة المواطن المصري وتنعكس على بلده، كما أن دعم الاقتصاد من خلال التحويلات أو الاستثمارات، ونقل الخبرات والمعرفة، يمثل ركيزة أساسية في تحقيق التنمية المستدامة.

إن العالم اليوم يقوم على ترابط الشبكات وتكامل المصالح، والمصريون في الخارج جزء أصيل من هذه المنظومة العالمية. ومن خلالهم، يمكن لمصر أن تعزز حضورها في مجالات حيوية مثل التكنولوجيا والتعليم والصناعة والخدمات، وأن تفتح لنفسها مسارات جديدة للتعاون الدولي.

إن توجيهات القيادة السياسية تعكس تحولاً نوعياً في النظرة إلى المصريين بالخارج، من كونهم مجرد مغتربين إلى شركاء حقيقيين في مسيرة التنمية، وإذا ما أُحسن استثمار هذه الطاقة البشرية الهائلة، فإنها قد تتحول إلى أحد أهم مفاتيح القوة لمصر، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً سياسياً وثقافياً، بما يعزز من حضورها وتأثيرها على الساحة الدولية.

في النهاية، لا تكمن القضية في مجرد التأكيد على قيمة المصريين في الخارج، بقدر ما تكمن في تحويل هذه القيمة إلى أثر ملموس ومستدام. فمع تزايد الحديث عن دورهم كقوة ناعمة، يبرز التحدي الحقيقي في ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات فعّالة تستثمر طاقاتهم وخبراتهم على أرض الواقع، وبينما تظل الروابط والانتماء حاضرين بقوة، يبقى الرهان على سد أي فجوة بين الطموح والتطبيق، بما يضمن شراكة حقيقية تجعل من أبناء مصر في الخارج قوة فاعلة في مسيرة التنمية، لا مجرد رمز لها.