صفعات تشارلز وفكاهته أمام الكونجرس

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كشف الملك تشارلز الثالث عن جوانب مخبأة في شخصيته أثارت مؤخراً إعجاب العالم. ألقى الملك خطاباً بروتوكولياً أمام الكونجرس الأمريكي بمناسبة مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة عن بلاده – بريطانيا - !! لم يكن الخطاب تقليدياً، بل كان المشهد مختلفاً تماماً. الملك يقف في قلب عاصمة الدولة التي تخلصت من حكم أسلافه قبل قرنين ونصف، ليحتفل معهم باستقلالهم. لكن خلف واجهة الاحتفالات الرسمية والثياب الأنيقة، كانت هناك عاصفة تهب على العلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن، تلك التي أشعل فتيلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما أطلق سلسلة من الإهانات لم يعتدها البريطانيون من حليفهم الأقرب. سخر ترامب من القوات البحرية البريطانية ووصف سفنها الحربية بأنها لا تعدو كونها ألعاباً، وأن حاملات الطائرات البريطانية لا تعمل. كان ذلك طعنة موجهة إلى صميم فخر الأمة التي بنت إمبراطوريتها على قوة أساطيلها. كان الملك تشارلز الذي خدم في البحرية الملكية لخمس سنوات، يشعر بهذه الإهانات التي جرحت كرامة وطنه. هكذا تحول خطابه أمام الكونجرس إلى منصة لم تسعَ فقط للاحتفال بالذكرى، بل لتوجيه رد دبلوماسي ذكي لكن ساخر، قلب به الطاولة في وجه الرئيس الأمريكي وأشعل قاعة الكونجرس بالضحكات.

كان الخطاب ألغازاً بلاغية يجب فك رموزها. فتح الملك حفل السخرية من خلال تأطير الزمن نفسه. ألقى الملك عبارة اشتهرت وتحولت إلى فيروس عابر للقارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. قال: "أعلنت المستعمرات الأمريكية استقلالها منذ مئتين وخمسين عاماً، أو كما نقول في المملكة المتحدة، منذ وقت ليس ببعيد" !! كانت هذه الجملة القصيرة بمثابة خنجر مخملي في خاصرة ترامب. في لحظة واحدة اختزل الملك المسافة الشاسعة بين تاريخ أمة عمرها ألف عام وتاريخ أمة لم تتجاوز ربع هذا العمر.

لقد أعاد تعريف العمر النسبي في العلاقات الدولية، مانحاً بريطانيا مكانة الشيخ الحكيم الذي يتذكر أحداث الأمس بينما لا يزال الأمريكيون يعيشون فورة حداثتهم. النكات المتعلقة بالزمن لم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت عندما تحدث عن الرئيس المؤسس جورج واشنطن ومقارنته بجده الأكبر من خمسة أجيال، الملك جورج الثالث، واصفاً ما حدث بينهما بأنه أشبه برواية لتشارلز ديكنز بعنوان "حكاية جورجين".. أي جورج واشنطن وجورج الثالث ملك إنجلترا إبان زمن الاستقلال، وقد استعار الملك تعبيره هذا من عنوان رواية تشارلز ديكنز "قصة مدينتين". ثم أضاف الجملة التي أتمت مفعول الكوميديا: "أرجو أن تطمئنوا، أنا لست هنا كجزء من بعض الإجراءات الخلفية الماكرة لإعادة تأسيس الحكم البريطاني" !! ملك بريطانيا يقف أمام الكونجرس الذي أعلن استقلاله عن جده، ليؤكد لهم ببراءة ساخرة أنه لا يفكر حتى في استعادتهم كرعايا. كانت هذه العبارات كافية لتحويل القاعة إلى مسرح كوميدي، لكن خلف هذه الضحكات كانت هناك رسائل سياسية بالغة الجدية.

كان الملك ذكياً لاستخدام الفكاهة البريطانية العالية كسلاح. فالضحك الذي أطلقته عباراته كان له هدف أعمق من مجرد التسلية. عندما تحدث الملك عن تقليد برلماني غريب في وستمنستر، وهو احتجاز أحد أعضاء البرلمان رهينة في قصر باكنجهام – مقر الملك - أثناء إلقاء الملك خطابه أمام البرلمان لضمان العودة الآمنة للملك، ثم استدار ليسأل رئيس مجلس النواب مايك جونسون عما إذا كان هناك أي متطوعين للقيام بهذا الدور هنا اليوم، فإنه لم يكن يمزح لمجرد المزاح. لقد كان يوجه لمحة إلى طبيعة العلاقة بين السلطات، إلى تلك الضمانات الدستورية التي تجعل السلطة التنفيذية خاضعة للمساءلة. هذا الاستفهام الذكي الذي قوبل بضحكات وتصفيق متباين، كان بمثابة تمهيد لجزء أكثر جدية من خطابه. فالملك انتقل بعد ذلك ليصرح بفخر بأن المبدأ الذي يقوم عليه الدستور الأمريكي، وهو خضوع السلطة التنفيذية لنظام من الضوابط والتوازنات، هو مبدأ مستمد مباشرة من القانون البريطاني وتحديداً من وثيقة ماجنا كارتا التي وقعت عام 1215. وهنا تغيرت نبرة التصفيق. الهتافات بدأت من الجانب الديمقراطي في القاعة أولاً، قبل أن تنتشر في أرجاء المجلس. كان هذا واضحاً، في عصر يتهم فيه ترامب بتجاوز سلطاته وافتقاد التوازن مع الكونجرس، جاء الملك ليذكرهم بأن الجميع يخضع للقانون، حتى الرؤساء، وأن هذه هي الوصية التي تركها أجدادهم البريطانيون لهم.

أما الموقف الأكثر إثارة فكان عندما رد الملك على تصريح ترامب في مأدبة العشاء الرئاسية بأن أوروبا كانت ستتحدث الألمانية لولا مساعدة أمريكا. خرج الملك عن النص المسموح به في العادة لقمة سياسية راقية، ورد بسرعة بديهة: "أجرؤ أن أقول، لولا نحن، لكنتم أنتم تتحدثون الفرنسية". كانت هذه اللكمة الساحرة إشارة إلى مساعدة فرنسا للمستعمرين الأمريكيين في حرب الاستقلال ضد بريطانيا نفسها، مما قلب المعادلة تماماً وأظهر أن التاريخ مليء بالتحالفات غير المتوقعة. ملك بريطانيا يقف في البيت الأبيض ليذكر الرئيس الأمريكي بأن فضل استقلال أمريكا يعود جزئياً إلى عدو بريطانيا اللدود في ذلك الوقت، فرنسا. ثم زاد الملك الطين بلة عندما أعرب عن أسفه لمحاولة التطوير العقاري الفاشلة التي قام بها البريطانيون في البيت الأبيض عام 1814، في إشارة كوميدية إلى حريق البيت الأبيض الذي أشعله الجنود البريطانيون في حرب عام 1812. هذا النوع من الفكاهة المريرة هو ما يطلق عليه الدبلوماسيون النوستالجيا المؤلمة.

في عالم الدبلوماسية، غالباً ما يكون الضحك أكثر الأسلحة فتكاً عندما يكون الجدل مستحيلاً. إن خطاب الملك تشارلز لا يمكن تصنيفه ضمن الخطب التهديدية أو التحذيرية، بل نموذج بالغ التطور لسلاح دبلوماسي نادر الاستخدام غير أنه فعال بعنف، الفكاهة التفكيكية أو ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الكوميديا الباردة". بينما يندفع ترامب إلى الهجوم المباشر والسباب العلني الذي يقلل من قيمته الدبلوماسية، استخدم الملك تكتيك الضحك لتقليل هيبة الخصم. عندما تسخر من تفوق ترامب العسكري المزعوم، وعمر أمريكا القصير، وعلاقاته المتوترة مع القانون، فإنك لا ترد على الإهانات فحسب، بل تجعل ترامب نفسه يبدو في نظر الرأي العام سخيفاً. كان الملك يشبه إلى حد كبير أباً يقف ليوبخ ابناً صغيراً جرب وقاحته، ولكن بدلاً من الصراخ، يكتفي بأن يحكي نكتة عن جد الأب الذي علمه الأدب فيضحك الجميع على الابن الصغير دون أن ينطق بكلمة غضب واحدة.

لكن، هل كان يمكن لأي شخص آخر غير الملك تشارلز أن ينجح في هذا الدور؟ الإجابة بالتأكيد لا. لو أن رئيس الوزراء كير ستارمر هو من وقف أمام الكونجرس ورد على ترامب بنفس النكات، لكان الأمر بدا سياسياً ومثيراً للجدل وقد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية حادة. لكن عندما يفعلها الملك، الأمور تختلف تماماً. يتمتع الملك بامتياز فريد وهو أنه فوق السياسة مما يخوله أن يقول ما لا يستطيع أي سياسي قوله. نكتته عن اللغة الفرنسية لو قالها وزير خارجية لاعتبرت إهانة لا تغتفر من حليف، أما عندما يقولها الملك فتعتبر ظرفاً بريطانياً رفيعاً. الملك وحده من يستطيع أن يقول عبارة: "نحن لم نستعمركم فقط، بل علمناكم كيف تحكمون أنفسكم"، بطريقة تجعل المستمع الأمريكي يقف ويصفق. كانت هذه واحدة من أذكى الأوراق التي لعبتها بريطانيا على طاولة السياسة الدولية في السنوات الأخيرة، واستغلال شخصية الملك شبه الأسطورية لتوجيه صفعة دبلوماسية على وجه رئيس أظهر ازدراءً متكرراً للحلفاء وللعالم كله.