الدبلوماسية المصرية.. النشطة الهادئة
فى الأبحاث المنشورة وغير المنشورة تلخص الدراسات سمات الدبلوماسية المصرية فى محورين أساسيين، أولهما التوازن فى العلاقات الدولية والحفاظ على مسافة واحدة من كل الأطراف وتعدد الحلفاء، وثانيهما الحفاظ على محددات الأمن القومى وسيادة الدولة، وهذا ما يفسر الموقف الدبلوماسى النشط بهدوء فى الحرب الأمريكية على إيران، إذ قال مراسلون عن المفاوضات إن باكستان تصدرت جهود الوساطة، لكن خلف الكواليس لعبت مصر دوراً محورياً فى سد الفجوات بين الطرفين، وأن مصر هى حجر الأساس فى وقف إطلاق النار فى غزة وإيران، غير أن هذا النشاط الدبلوماسى غير متمثل بدقة فى ضجيج العناوين وخاصة معالجات الإعلام الغربى للأحداث.
فى لحظات التوتر الكبرى لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على خوض الحروب، بل -وهذا ما يلفت نظر الإعلام الغربى- بقدرتها على تجنبها، ومن هذه الزاوية تحديداً يُقرأ الدور المصرى فى سياق التصعيد بين واشنطن وطهران: ليس كقوة صاخبة تتصدر العناوين، بل كفاعل هادئ يتحرك فى المساحات الرمادية حيث تُصنع التوازنات الدقيقة.
التغطيات فى مؤسسات مثل Reuters وBBC News لا تقدم مصر باعتبارها «قائدة المشهد» أو «صاحبة الحل النهائى»، بل تصفها بتعبير يكاد يتكرر «دور هادئ لكنه ثابت»، وبغض النظر عن معالجة هذه المؤسسات للدور المصرى المتسم دائماً بالنمطية والتسطيح وفقاً لسياساتها التحريرية، إلا أن هذه العبارة ليست مجرد توصيف لغوى، بل مفتاح لفهم كيف يرى الغرب الدبلوماسية المصرية؛ دبلوماسية تعمل فى الخلفية، وتراكم التأثير بدلاً من استعراضه.
فى هذا الإطار لا تظهر القاهرة كطرف يسعى لفرض تسوية بين الولايات المتحدة وإيران، بل كدولة تُجيد إدارة الأزمات أكثر من صناعتها للحلول.
التحليل السائد -كما تعكسه مراكز بحثية غربية مثل Carnegie Endowment for International Peace- يفرق بوضوح بين «صانع الاتفاق» و«مدير الأزمة»، ومصر وفق هذا التصنيف، تنتمى للفئة الثانية: تمنع الانفجار، تخفف التصعيد، وتحافظ على خطوط التواصل عندما تنقطع.
هذه القدرة تحديداً -الحديث مع الجميع دون الانحياز الكامل لأى طرف- هى ما يمنح القاهرة وزنها، فهى تحتفظ بعلاقة استراتيجية مع واشنطن وتنسق مع العواصم الخليجية، وفى الوقت نفسه تفتح قنوات -ولو محدودة- مع طهران.
هذا التوازن لا يُفسَّر فى الإعلام الغربى كـ«موقف بطولى» من منطلق مبدأ أن لا أحد فى الشرق الأوسط بطل! بل كخيار براغماتى فرضته الجغرافيا والمصالح. فمصر ليست بعيدة عن تداعيات أى صراع فى الخليج: أمن الطاقة، استقرار الأسواق، وضغوط الاقتصاد الداخلى كلها عوامل تجعل من تجنب الحرب هدفاً مباشراً لا مجرد موقف مبدئى.
لكن الأهم فى القراءة الغربية هو رفض فكرة «البطل المنفرد»، فالتغطيات تضع مصر ضمن شبكة أوسع من الوسطاء: تركيا، عُمان، قطر، وأحياناً باكستان، هذا ما يُعرف فى الأدبيات الحديثة بـ«دبلوماسية الشبكات»، حيث لا تحتكر دولة واحدة الوساطة، بل تتقاسمها أطراف متعددة لكل منها قنواته وأدواته.
داخل هذه الشبكة، يُنظر إلى مصر كـ«قناة موثوقة» ليست الأعلى صوتاً لكنها من الأكثر استمرارية، ورغم هذا التقدير، لا يخلو الخطاب الغربى كالعادة من تجاهل صارم، فمصر وفقاً لقراءتهم يتم تقديمها على أنها لا تملك القدرة على فرض قرارات على طهران ولا على إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية. تأثيرها حقيقى، لكنه محدود بإطار: التسهيل لا الإملاء، الاحتواء لا الحسم.
فى السردية الدولية هذه ليست نقطة ضعف بقدر ما هى توصيف دقيق لدورها الفعلى فى ميزان قوى معقد، إلا أن هذه السردية تجاهلت النتائج على أرض الواقع والتى تقول إنه لولا الدبلوماسية المصرية النشطة لما كان أىٌّ من اتفاقى «وقف إطلاق النار» قد أُبرم.
ما يميز الدبلوماسية المصرية -كما يراها الغرب- هو اعتمادها على ما يمكن تسميته «القوة منخفضة الظهور عالية التأثير»، لا مؤتمرات صاخبة ولا تصريحات نارية، بل قنوات خلفية ورسائل غير مباشرة وتنسيق أمنى ودبلوماسى مستمر.
فى عالم تميل فيه بعض القوى الإقليمية إلى توظيف الإعلام كأداة ضغط، تختار القاهرة مساراً مختلفاً: العمل بصمت، وترك النتائج تتحدث.
لكن الإعلام الغربى لا يقدم صورة بطولية للدور المصرى، بل يمنحها توصيفاً آخر وهو «حارس الاستقرار الإقليمى» ليست من يشعل المواجهات ولا من يعلن نهاياتها لكنها من يعمل بصبر وثبات على ألا تتحول الأزمات إلى حرائق شاملة.
وبين ضجيج التصعيدات وهدوء الدبلوماسية المصرية قد لا تكون القاهرة الأعلى صوتاً.. لكنها فى نظر كثير من التحليلات الغربية، من أكثر اللاعبين قدرة على البقاء فى قلب اللعبة دون أن تحترق بنارها.