العالم في مهب الريح

ظل سكان الأرض يلجأون إلى «العالم» لحل النزاعات أو لرفع الظلم أو لتحقيق ما يفيد الإنسانية جمعاء، وكان الحكام يعملون حساباً ملموساً لموقف العالم من سلوكياتهم، لا سيما على صعيد العلاقات الثنائية أو حتى الدولية، وللأسف وصلنا إلى حالة فقد فيها العالم كل حواسه، وكأنه لم يعد يرى أو يسمع.. ربما كان نظام الفيتو الذي اقتصر حق استخدامه، لتعطيل أي قرار دولي، على خمس دول، قد لعب دوراً جوهرياً في تهميش الرأي العام، لدرجة أنه فقد تأثيره فعلاً لا قولاً.

ونحن نعيش في السنوات الأخيرة أوضح تجسيد لذلك، فنتابع بأسى، صمت العالم إلى حد الخرس حيال ما تقترفه إسرائيل من جرائم في قطاع غزة والضفة الغربية وكذلك في لبنان، ومواصلة الدعم الأمريكى المشين لدولة الاحتلال وحمايتها من أى محاسبة، بل لا يكف رئيس حكومتها نتن ياهو، عن الإعلان عن مخططه في إقامة «إسرائيل الكبرى» على أنقاض دول وأراضٍ عربية، ولم يصدر أى تعليق على هذا العدوان الغاشم، وليس إدانة صارمة تردع دولة الاحتلال وتحمى حقوق الشعوب التي يعانى أبناؤها المدنيون من جرائم مستمرة تحيل حياتهم، فوق أراضيهم، إلى جحيم صارخ.

وفي هذه الحقبة السوداء من التاريخ البشرى يقوم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالإعلان عن نيته بمحو إيران من الوجود إذا تعرضت للسفن الأمريكية التي أرسلها إلى مضيق هرمز.. وقد استوقفني هذا التهديد الرهيب، بمحو دولة من الوجود، بأبنائها الذين يقدر عددهم بنحو تسعين مليون إنسان، وبينهم ملايين الأطفال، وشعرت بخيبة أمل مفزعة، جراء صمت العالم إزاء رئيس دولة يصرح دون أدنى خجل، بنيته في إزالة دولة من الوجود في حال تعرضت لسفينة أمريكية فوق أراضيها، أي في مضيق هرمز، الذي كان يعمل قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أي بعبارة أخرى فإن ترامب يعتبر أن دولة كبيرة، لا تساوى سفينة أمريكية.

تبعد عن الولايات المتحدة آلاف الكيلومترات، ووصلت إلى مشارف إيران.. ولدى سماع التحليل الأخير لتصريحات ترامب، التي لم يسبق لحدتها نظير منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، نقرأ أن العالم يحبس أنفاسه.. ونتيجة حبس الأنفاس، لا يصدر ما يدعو هذا العالم إلى ما يدين الرئيس الأمريكى، الذي فرض صمت العالم حيال جرائم حبيبه نتن ياهو، والذي قتل مئات الآلاف من العرب وأصاب مئات الآلاف غيرهم.

ولم يصدر أي تعقيب على جرائم إسرائيل، التي حولت غزة إلى ركام وكذلك جزء كبير من جنوب لبنان، في الوقت الذي أعلن فيه ترامب عن وقف إطلاق النار في غزة وهدنة في جنوب لبنان..! ومما لا شك فيه أن قادة إيران، رغم صمودهم الأكيد ضد العدوان الأمريكى الإسرائيلى، يرتكبون خطأ جسيماً بضرب الدول العربية في منطقة الخليج، حيث يفقدهم ذلك تأييد مواطنى هذه الدول لهم وإدانتهم للعدوان المستمر من جانب الولايات المتحدة ودولة الكيان.

إن سياسة ترامب ألحقت ضرراً جسيماً بمكانة الولايات المتحدة وكذلك بإسرائيل، التي أصبحت منبوذة لدى شعوب معظم دول العالم، ومما يؤكد أن مآلها إلى زوال رغم خرس العالم، بدعم أمريكى صارخ، لاعتداءاتها المتواصلة ضد المدنيين العزل في فلسطين ولبنان وسوريا.