لسنا نسويات ولكن...!

إنجى الطوخى

إنجى الطوخى

كاتب صحفي

كتبت تلك السيدة منشورا فيسبوكيا، تدعو فيه النساء إلى أن يدققن خلال الخطبة في خصال الرجل واختبار أخلاقه قبل الموافقة على طلبه للزواج، حتى لا تتكرر مآس حزينة صار الجميع يتابعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أما كانت «لايف»، أو من خلال منشورات تستغيث فيها المرأة من ضياع حقوقها بعد الطلاق، وأحيانا شكاوى خلال الزواج نفسه بها كثير من الألم.

وكان الأمر مرعبا من كمّ التعليقات التى حصدتها تلك السيدة فى منشورها، من رجال دخلوا يسخرون من كلماتها، وأنّ المشكلة ليس في أخلاق الرجال، فالرجال كما هم لم يتغيروا منذ عشرات السنين في تفكيرهم، بل المشكلة بمطالبة النساء بما تسميه «حقوقها»، وأنّ نون النسوة تغيرت ولم تعد هي التي تتمتع بأخلاق نساء الزمن القديم في تحمل «هفوات الرجل وضغوطه، وعصبيته وزلات لسانه، وأحيانا ضربه إن لزم الأمر» كما ينص القرآن !.

أما النصف الآخر من ردود الرجال فتلخصت في شيء واحد هو أنّ أحاديث النساء عن حقوقهن هي من قبيل تأثيرات النسوية، والنساء إذا طلقن ليس من حقهن طلب شيء من الرجل، وكانت هناك مجموعة من التعليقات المثيرة للتأمل مثل «لو طلبت الطلاق لماذا ينفق عليها؟ علاقتهم انتهت خلاص»، و«لو هو اللي طلق يبقى لازم يدفع فعلا، لكن لو هي اللي طلبت الطلاق ليه يدفع نفقة؟»، بينما سخر البعض «لعن الله النسوية اللي أكلت دماغ الستات» و«يعني الراجل لما يطلق ملزم يصرف على بيتين مش بيت واحد رغم إنه مش مستفيد، ده في شرع مين ده!»، كان هناك ردود تتسم بالحدة والعنف أخفها على الإطلاق هو «مش هتاخدوا أي حقوق، عاجبكوا احنا كده ومش هنتغير اصرفوا على نفسكم».

الحقيقة أنّ التعليقات كانت مذهلة بحق، من يحاول تحليلها سيجدها مليئة ببعض الكوميديا السوداء، فسواء كنت شخص متدين جدا، أو منفتح جدا، ستلاحظ أنّ هناك شيء واحد اتفقت عليه نسبة كبيرة من تعليقات الرجال، وهو إنكار حق المرأة، حتى مجرد التلويح بأهمية حماية حقوقها سواء داخل منظومة الزواج أو حال انتهائها بالطلاق، والحجة هي إما بعصا الدين – والدين منهم بريء- أو التلويح بعصا النسوية وهؤلاء للتيار المنفتح.

الحقيقة أنّه خلال عملي في مجال صحافة المرأة لسنوات كنت أعمل مع نماذج لسيدات كثيرات لسن نشطاء نسويات، ولا يفهمن المفهوم الفلسفي للنسوية بل أحيانا لم يسمعن عنه، بل أكثر من ذلك عملت مع نماذج لسيدات غير متعلمات من الأساس ولا يستطعن القراءة والكتابة، ولكنهن جميعا اتفقن على شيء واحد، هو أنّهن يردن الحياة الزوجية الطيبة المليئة بالاحترام والرحمة التي قد لا تخلو من «زلات» لأنها سنة الحياة، ولكن لا تصل أبدا إلى «الضرب أو عدم الإنفاق أو الأذى والتهديد النفسي» كأنه شيء هين، أو كأنها ضريبة زواج كتٌبت عليهن يدفعنها صاغرات لأن الأمهات قديما كانت تتحملها دون شكوى.

ما لا يفهمه هذا التيار أنّ حلم الحياة الطيبة المليئة بالاحترام والتراحم والاحتواء لشريك الحياة ليس شعارا أيدلوجيا، أو تيار فكري فيمكن أن نطلق عليه حلما نسويا!، بل هو حلما إنسانيا تحلم به كل امرأة في العالم وليس المصرية فقط، أما النسوية فهي كفكرة وحركة مجتمعية فلسفية أكبر من ذلك بكثير، قامت بالأساس للدعوة لحق المرأة فى التصويت والمشاركة والعدالة، ثم تطورت مع تطور المجتمعات!

والمطالبة بحياة زوجية فيها تقدير للمرأة وحقوقها بلا أذى نفسي أو عنف جسدي سواء استمر الزواج أو انتهى، ليس طلبا تعجيزيا من جانب المرأة أو تمردا نسويا كما يحلو للبعض أن يطلق عليه، كأنّها وصمة عليها أن تهرب منها، بل هو قيمة إنسانية قديمة بقدم فكرة الأسرة نفسها، متفقا عليها من جانب كل النساء، سواء كن متعلمات وحاصلات على أعلى الدرجات العلمية أو أميات لا يقرأن أو يكتبن، سواء كن يعشن في قصور وفلل أو حتى يعشن في بيوت عبارة عن غرفة واحدة، مهما اختلفت المجتمعات أو الثقافات، أو حتى الأديان، وزيادة الوعي في المجتمع وانفتاحه، ما جعل نون النسوة المصرية تعيد التأكيد على هذه الحقوق إن نسيها البعض أو حاول تناسيها!

أما بالنسبة لتيار «الدين أمر بضرب الستات»، وتيار «أمهاتنا كانوا بيتحملوا اشمعنا أنتم» فهذا في مقال آخر إن شاء الله.