بعد النهايات الخمس: أيُّ إنسان يتشكّل بيننا؟
سؤال حتمي ظلّ يُلحّ عليّ طوال المرحلة السابقة من هذه السلسلة، وكنت أُرجئه عمداً حتى تنضج أدواته: ليس ما الذي انتهى في مجالنا الحضاري، بل ما الذي تشكّل في الإنسان بعد هذه النهايات؟ لأن النهايات الكبرى لا تبقى في الخارج، بل تنزل إلى الداخل وتُعيد صياغته.
وإذا كنّا قد رصدنا في المرحلة السابقة تآكل خمسة مراكز كانت تصون الإنسان وتمنحه خريطته الحضارية - اللغة، والتراث، والدين، والأسرة، والدولة - فإن هذه المرحلة الجديدة تسأل: كيف يتشكل وجدان الإنسان بعد أن اهتزت هذه المراكز عنده واحدةً إثر واحدة؟ وما الذي حدث لتدينه تحديداً حين فقد التربة التي كان يرسو فيها ويترعرع؟
الإنسان لا يولد مكتملاً، بل يُبنى؛ وبناؤه لا يتم بالوراثة البيولوجية وحدها، بل بشيء أكثر عمقاً وأشد تعقيداً: بالمعنى الذي يتلقّاه من محيطه قبل أن يملك القدرة على انتقائه؛ فاللغة التي يتعلمها في طفولته لا تُعلّمه الكلام فحسب، بل تُعلّمه كيف يُشكّل العالم في ذهنه، وكيف يُسمّي ما يشعر به، وكيف يُفرّق بين الجليل والهزيل، وبين المقدس والمبتذل، والتراث الذي يُحيط به لا يُخبره بالماضي فحسب، بل يمنحه انتماءً عضوياً إلى سياق أكبر منه، فلا يشعر أنه غريب طارئ على هذا الوجود، والدين الذي يتلقّاه لا يُكلّفه بشعائر فحسب، بل يمنحه غايةً تتجاوز اليومي والزائل، وتُعطي لمعاناته معنى ولسعادته عمقاً، والأسرة التي يُولد فيها لا تُغذّيه فحسب، بل تُغذّي فيه شيئاً أسبق من الوعي: شعور بأنه محبوب ومحتاج إليه وأنه ينتمي، والدولة التي يعيش في كنفها لا تحكمه فحسب، بل تُشعره بأنه جزء من كيان يستحق الانتماء، وبأن فرديته ليست نقطة معزولة في الفراغ.
فإذا اختلّت هذه المراكز الخمسة في آنٍ واحد وهذا ما حدث تدريجياً في مجالنا الحضاري؛ لم يكن للإنسان أن يظل محصّناً في الداخل؛ لأن الداخل لا يصنع نفسه بنفسه، بل يتشكّل من الخارج الذي يُطعمه ويُسنده، وحين أُفرغ هذا الخارج من معناه، وجد الإنسان نفسه قائماً على أرض غير صلبة لم تنهدم من تحته فجأة، بل تشرّبت الماء ببطء، حتى صار المشي عليها نوعاً من التأرجح على الوحل.
ما تشكّل في هذا الإنسان الجديد ليس مجرد تغيّر في الطباع، بل هو تحوّل في البنية؛ تحوّل في طريقة إحساسه بنفسه، وفي نظرته إلى الآخرين، وفي علاقته بالزمن ماضياً كان أم حاضراً أم مستقبلاً؛ لقد أصبح يعيش حالة من السيولة الداخلية التي تجعل كل تثبّت مرهقاً، وكل التزام مُكلفاً، وكل انتماء مُهدَّداً، وهذه السيولة ليست ضعفاً فطرياً في الإنسان، بل هي نتيجة طبيعية لفقدان الأسناد الكبرى؛ فالثبات لا يأتي من داخل الذات وحدها، بل يأتي من الصلة بما هو أكبر من الذات؛ بالله، بالمعنى، بالمجتمع، بالتاريخ، بالأرض.
سبع سمات للإنسان المعاصر
ظهرت في هذا الإنسان سبع سمات لافتة، ستكون كل منها موضوع مقالة مستقلة في هذه السلسلة:- أوّلها الفردانية: وليس المقصود بها الاستقلالية الصحيّة ، بل المقصود انكماش الإنسان إلى ذاته على نحو مَرَضي، حتى تصبح «الأنا» مركز الكون كله وميزانه. وتليها المزاجية: وهي ليست تقلّب المشاعر الإنساني الطبيعي، بل هي تحوّل الالتزام إلى رهينة للحالة الشعورية، فيتدين الإنسان حين يُريح التديّن نفسيته، وينسحب منه حين يُتعبه. وثالثها التشكك: لا التشكك المعرفي المنتج الذي يقود إلى يقين أعمق، بل التشكك العدمي الذي يُفضي إلى فقدان الثقة في كل شيء: في المؤسسات، وفي الخطاب، وفي الأشخاص، وأحياناً في الذات. ورابعتها الإحباط: وهو ليس الحزن الإنساني الطبيعي المتزن، بل هو انسداد الأفق في الوجدان وغياب الرجاء حتى يتحول التدين إلى شكوى أو انسحاب بدل أن يكون طاقة بناء. وخامستها العشوائية: ضياع المنهج وتبعثر الأصول حتى يُصبح الإنسان في تدينه كمن يبني بيتاً بلا خريطة. وسادستها الحساسية: لا الحساسية اللطيفة التي تجعل الإنسان يُدرك مشاعر الآخرين، بل الحساسية المتوترة التي تُحيل كل كلمة إلى إدانة وكل اختلاف إلى حرب. وسابعتها المظلومية: الشعور المُزمن بأن العالم كله في مواجهة الذات، فيتحول الدين في وعي صاحبه من خطاب تزكية ورحمة إلى سلاح صراع وأداة مظالم.
أثر سمات الشخص المعاصر على سمات التدين
والفكرة الجوهرية التي تقوم عليها هذه المرحلة كلها هي أن هذه السمات لا تظل في حدود الشخصية، بل تنتقل إلى التدين وتُلوّنه؛ لأن التدين — وهذا ما أغفله كثير من الدارسين — ليس قائماً في فراغ، بل يتشكّل داخل إنسان بعينه، في لحظة تاريخية بعينها، بكل ما يحمله هذا الإنسان من جروح ومخاوف وأشواق وانكسارات، والدين في ذاته هدى ورحمة ونور لا يتبدّل ولا ينقص، لكن الإنسان المتلقّي له ليس صفحة بيضاء؛ إنه وعاء له تاريخه وشقوقه، فحين يدخل النور إلى مرآة مكسورة، تتكسّر صورته لا لأن النور انكسر، بل لأن المرآة فقدت اتزانها.
ولهذا نرى: الإنسان الفرداني يُنتج تديناً يبحث فيه عن خلاصه الشخصي وراحته الذاتية، منقطعاً عن البُعد الاجتماعي والتكافلي الذي هو جوهر الرسالة، والإنسان المتشكك يُنتج تديناً يعيش على حافة الزلزال المعرفي، يعبد اليوم ويشكو الغد، والإنسان المحبط يُنتج تديناً تحوّل من طاقة أمل وبناء إلى آهة طويلة مُزمنة، والإنسان العشوائي يُنتج تديناً بلا عمود فقري، ينتقل بين فتوى وأخرى كمن يُجرّب الأدوية دون تشخيص، والإنسان الحساس يُنتج تديناً يرفض الحوار لأنه يراه تهديداً، والإنسان المظلومي يُنتج تديناً يُوظّف النصوص لتأجيج الاحتقان لا لتزكية النفس.
والحقيقة التي يجب أن ندركها أنه: لا يمكن أن نفهم اضطراب التدين في مجتمعاتنا ما لم نفهم اضطراب الإنسان الذي يتدين؛ فالشريعة نفسها حين أطّرت العبادة بالنية، وحين ربطت الإيمان بالطمأنينة، وحين جعلت التزكية ركناً؛ كانت تُقرّر أن التدين يتشكّل من الداخل لا من الظاهر وحده.
علم اجتماع التدين..واجب الوقت!
من هنا تبرز الحاجة مجدداً إلى العلم الذي نسعى لوضع لبناته من خلال هذه المقالات، «علم اجتماع التدين»، وهو ليس علم اجتماع الدين التقليدي الذي يدرس الظاهرة الدينية من خارجها، بل هو علم يدرس التدين من الداخل: كيف يتشكّل في النفس، وكيف تُؤثّر فيه اللغة التي يملكها الإنسان، والتراث الذي يحمله، والأسرة التي خرج منها، والمجتمع الذي يعيش فيه، والحالة النفسية التي يتلقى فيها الخطاب الديني، إنه علم بيني يلتقي فيه علم الشريعة بعلم النفس وعلم الاجتماع وفقه الواقع والمقاصد الشرعية وتحليل الخطاب الحضاري.
وليس هذا العلم ترفاً أكاديمياً؛ إنه ضرورة؛ لأننا لم نعد نستطيع فهم ما يجري في واقعنا الديني بالأدوات القديمة وحدها، لا بالأحكام الفقهية المجردة التي تُجيب على السؤال: ما الصواب؟ دون أن تسأل: لماذا يعجز هذا الإنسان عن فعل الصواب؟ ولا بالتشخيص الاجتماعي الخارجي الذي يرصد الظاهرة دون أن يلمس جذرها؛ نحتاج إلى أداة تجمع بين فقه الإنسان وفقه الشريعة، بين تفسير النص وتفسير النفس، بين فهم المعنى الديني وفهم المجال الذي يتجسّد فيه هذا المعنى.
فلنتأمل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ نفهم أنه لم يكن هذا التبيان بمعزل عن فهم الإنسان الذي يتلقّاه؛ كما أن حضرة النبي ﷺ حين أوصى رجلاً بـ«لا تغضب» ثلاثاً، لم يكن يُعطيه حكماً تجريدياً، بل كان يقرأ داخله ويُجيب عن جرحه الحقيقي، وحين سأله رجل: ما أحب الأعمال إلى الله؟ فأجابه بغير ما أجاب به آخر سأل المسألة ذاتها ؛كان ذلك لأنه ﷺ كان يبني منهج تدين إنسان لا يُعطي فتوى عامة.
كيف أثر ذلك على سمات التدين المصري؟!
وإذا أردنا أن نُخصّص هذا الكلام على الحالة المصرية، فعلينا أن نتذكر أن التدين المصري عبر تاريخه الطويل وحتى الآن يملك خصوصية نادرة؛ فهو تديناً ممتزجاً بالحياة: بالمسجد والحارة والمقهى والمولد والمأتم والفرح؛ تديناً يحمل في طيّاته الرحمة والمحبة والسعة والقدرة على استيعاب التوترات دون أن ينكسر، تديناً لم يكن يخاف الفرح ولم يُسرف في العبوس، تديناً رسّخته علاقة الإنسان بالمكان؛ بأضرحة الصالحين، بالمساجد العريقة، بمجالس العلم والذكر، لا بوصفها أماكن عبادة فحسب، بل بوصفها أماكن انتماء وهوية وذاكرة.
لكن حين تقاطعت النهايات الخمس مع موجات التحديث السريع وصعود العالم الرقمي وانهيار الحواضن المجتمعية، بدأت تتشقق هذه الصورة؛ وبدأت تظهر في الإنسان المصري سمات لم تكن من جوهره الأصيل نتيجة لخطابات دخيلة على المجتمع المصري.
لهذا كله، ستسير هذه السلسلة في طريق مختلف؛ إنها لن تكتفي بتصوير المرض؛ فالتصوير وحده ترف فكري إذا لم يُفضِ إلى طريق، بل ستسعى من خلال تحليل كل سمة من هذه السمات السبع إلى شيء أعمق: فهم كيف وصل الإنسان إلى هذا القلق، ثم الإشارة إلى الطريق الذي يُعيد إليه توازنه.
طريق يمر باستعادة المعنى، وبناء الإنسان من الداخل، وإحياء السكينة التي هي في القرآن الكريم حقيقة وهبة إلهية في قلب كل مؤمن لا مجرد حالة نفسية عابرة؛ فلنعيش بقوله تعالى:«هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ»، وبربط التدين من جديد بالرحمة والعمران، لا بالغضب والانسحاب.
نحن معاً في هذا الطريق؛ لا ندرس الإنسان المعاصر لنُدينه، بل لنفهمه، ولا ندرس التدين لنحاكمه، بل لنُحرّره من أثر الجرح الحضاري الذي التصق به؛ حتى يعود الدين كما أراد الله، معنىً يُقيم الإنسان لا يُسقطه، ورحمةً تسع الوجود لا تُضيّقه، وبناءً للإنسان والأكوان معاً.