حكاية عجوز فلسطينية عمرها أكبر من الاحتلال.. 94 عامًا بين النزوح والفقد
حكاية عجوز فلسطينية عمرها أكبر من الاحتلال.. 94 عامًا بين النزوح والفقد
تمشي بخطوات متعثرة فوق طريق ترابي لا تعرف نهايته، تضع يدًا على بطنها والأخرى تمسك بطرف ثوبها، كأنها تحاول أن تحافظ على ما تبقى لها، خلفها بيت لم تغلق بابه، وذاكرة لم تكتمل بعد، تسير على طريق مليء بالخوف والوجوه المرهقة، كانت تتوقف أحيانًا من شدة التعب، تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم تكمل مدفوعة بشيء أكبر من قدرتها على الاحتمال، غريزة النجاة، وربما خوفها على الجنين الذي لم يرَ النور بعد.
مر على هذا اليوم 78 عامًا، ولا تزال صبحة محمد جبر عوض، البالغة 94 عامًا، تتذكره كأنه حدث أمس، ففي هذا اليوم، كانت ابنة الـ16 عامًا، وتركت بيتها في قرية سمسم في الشمال الشرقي لقطاع غزة، قاصدة مخيم جباليا، منذ تلك اللحظة، لم تعد الحكاية مجرد هروب، بل بداية عمر كامل في المنفى، بدأ مع النكبة 1948، ولم ينته حتى اليوم.
78 عامًا، وحتى الآن، لا تجد «صبحة» مأوى آمن من طائرات الاحتلال الإسرائيلي، الذي قضى على قريتها عام 1948، وهجّر 1858 فلسطينيا من وطنهم، ودمر كل البيوت الموجودة، ولا يزال يطاردها إلى يومنا هذا.
ولدت «صبحة» عام 1932، وتزوجت بعمر 15 عاما، لم تعش داخل بيتها سوى عامًا واحدًا، وبعد انتقلها من قرية سمسم إلى مخيم جباليا، أنجبت ابنها الأول، الذي تنفس هواء فلسطين لأيام، وفقد حياته نتيجة غياب التطعيمات اللازمة، والمناعة الضعيفة، فعلى مدار سنوات حياتها، أنجبت 13 طفلاً، عاش منهم 7 فقط، ومات الباقي بعد أيام من ولادتهم، وفقا لحديث ابنها جميل عبد النبي لـ«الوطن».

8 حروب ولا تزال صادمة
يروي «جميل» أن والدته استقرت مع زوجها في المنطقة الوسطى بمخيم جباليا، لا يمر عامًا، إلا وترى شهداء يتساقطون من حولها، حضرت 8 حروب، عام 1967، وحرب أكتوبر 1973، والانتفاضة الأولى منذ عام 1987 وحتى 1993، والثانية من 2000 – 2005، وحروب غزة سنة 2008 و2012 و2014 و2023.
عاشت «صبحة» حياتها في المخيم تحاول تربية أبنائها الـ7، فقدت أحدهم شهيدًا، وتبقى 6، بينهم 3 فتيات، وعام 1994 مات زوجها، لتتأزم الأمور مرة أخرى، لكنها ظلت صامدة مثل باقي الفلسطينيين، تربي أبنائها حتى تخطت أعمارهم جميعا الـ40 عامًا.
معاناة مع عدوان 2023
ورغم المعاناة الكبيرة التي عاشتها طوال السنوات الماضية، لم تعش «صبحة» أوقاتًا أصعب من الآن، ففي بداية حرب 2023، هدم بيتها الموجود بمنطقة جباليا، وباتت تعيش داخل الخيام منذ عامين ونصف العام، تنقلت من مكان لآخر 10 مرات على كرسي متحرك، بعدما فقدت القدرة على المشي، لكنها لا تزال بكامل وعيها.