50% من الأسرى مقيدون إداريا دون دليل.. آلاف الفلسطينيين في «زنازين» الاحتلال بلا محاكمة عادلة
50% من الأسرى مقيدون إداريا دون دليل.. آلاف الفلسطينيين في «زنازين» الاحتلال بلا محاكمة عادلة
خلف أبواب السجون الإسرائيلية، يجد المعتقل الإداري نفسه عالقاً في واقع لا يملك تفسيره، ولا نهاية واضحة له، فقط قرار يُقيِّده ويُبقيه في دائرة من الغموض، إذ يُعد هذا النوع من الاعتقال من أكثر السياسات إثارة للجدل في حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وذلك لما ينطوي عليه من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية معقَّدة، حيث يقوم هذا الإجراء على احتجاز الأفراد دون توجيه تهمة رسمية، أو تقديمهم إلى محاكمة عادلة، استناداً إلى ما يُعرف بـ«الملف السري»، الذي لا يُتاح للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليه. وبموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، يمكن إصدار أمر اعتقال إداري لمدة تصل إلى 6 أشهر، مع إمكانية تجديده مرات غير محدودة، ما يجعل هذا النوع من الاعتقال مفتوحاً زمنياً، ويضع المعتقل في حالة من الغموض الدائم بشأن مصيره.
«نادي الأسير»: 180 طفلاً معتقلون إدارياً حتى نهاية 2025 في سابقة تاريخية خطيرة
وبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن «نادى الأسير الفلسطيني»، فإن هناك نحو 9500 أسير وأسيرة يقبعون في 23 سجناً ومركز توقيف وتحقيق إسرائيلي، بينهم 73 أسيرة يقبع غالبيتهن في سجن «الدامون»، و3442 معتقلاً إدارياً، و115 أسيراً صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد، و350 طفلاً وقاصراً، موزعين على سجون «عوفر، ومجدو، والدامون».
مركز «عدالة»: تصاعُد غير مسبوق في استخدامه بحق أبناء «عرب 48» منذ اندلاع الحرب
وكشف تقرير حقوقي، صادر عن مركز «عدالة»، عن تصاعد غير مسبوق في استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين من أبناء «عرب 48»، خصوصاً منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، في مؤشر على توسُّع خطير في نطاق هذه الأداة، لتشمل فلسطينيي الداخل وسكان القدس الشرقية، بعد أن استُخدمت تاريخياً بصورة شبه حصرية ضد الفلسطينيين.
استند التقرير إلى معطيات رسمية، حصل عليها المركز بموجب طلب حرية معلومات قُدِّم إلى وزارة القضاء الإسرائيلية، أظهرت أنه منذ بداية عام 2020 وحتى 21 مايو 2025، فُتحت 560 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية ضد مواطنين ومقيمين فلسطينيين في أراضي عام 48 والقدس الشرقية، كما قُدِّم خلال الفترة ذاتها ما لا يقل عن 175 استئنافاً إلى المحكمة العليا ضد قرارات الاعتقال الإداري، رفضت المحكمة الأغلبية الساحقة منها.
بيَّن التقرير أنَّه منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، وحتى 21 مايو 2025، تداولت المحاكم المركزية 297 قضية اعتقال إداري، ما يعكس تصاعداً حاداً في استخدام هذه السياسة بحق المواطنين الفلسطينيين خلال فترة قصيرة، كما أظهرت المعطيات أن المحكمة المركزية في القدس تصدَّرت المحاكم من حيث عدد الملفات، إذ نظرت في 376 ملفاً من أصل 560، الأمر الذي يعكس استهدافاً مكثفاً للمقدسيين، فيما سجلت محاكم «حيفا والمركز والناصرة وبئر السبع» عشرات القضايا، معظمها بعد السابع من أكتوبر 2023.
خلص التقرير إلى أنَّ سياسة الاعتقال الإداري باتت أداة مركزية في المنظومة الإسرائيلية، تُستخدم للالتفاف على الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حظر الاعتقال التعسفي، وضمان الحق في المحاكمة العادلة، بما يشكل تقويضاً مباشراً لمبادئ العدالة والمساءلة.
«العفو الدولية»: يحوِّل العملية القضائية إلى إجراء شكلي يفتقر للعدالة
وتشدد المادة 14 من العهد الدولي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في محاكمة علنية تكفل له الدفاع عن نفسه، إلا أن جلسات مراجعة الاعتقال الإداري تُعقد عادةً بشكل مغلق دون حضور الجمهور أو أفراد العائلة، وهو ما يُضعف من ضمانات المحاكمة العادلة، فيما تؤكد مؤسسات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية أن استخدام الاعتقال الإداري بشكل واسع وممنهج يُعد خرقاً للمعايير الدولية، خاصة عندما يُستخدم كبديل عن الإجراءات القضائية الطبيعية.
وترى هذه المنظمات أن الاحتجاز دون تهمة أو محاكمة مع الاعتماد على أدلة سرية يُفرغ الحق في الدفاع من مضمونه، ويحوِّل العملية القضائية إلى إجراء شكلي يفتقر إلى العدالة.
ودعت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لوقف الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها عصابات المستوطنين، بحق الأطفال الفلسطينيين دون أي اعتبار للمواثيق والأحكام الدولية، ودون مراعاة للمصلحة الفضلى للطفل وحقه في الحياة والأمن والحماية.
وأكّدت «الخارجية الفلسطينية»، في بيان لها، أن معاناة الأطفال الفلسطينيين تُشكل الجرح الأعمق في الضمير الإنساني، وأن استمرار الصمت الدولي إزاء مأساتهم يرقى إلى التخلي عن أبسط المبادئ الأخلاقية والالتزامات القانونية، فخلال العامين الماضيين، استُشهد أكثر من 18 ألفاً و592 طفلاً في قطاع غزة، وفُقد آلاف الأطفال تحت الأنقاض، فيما يواجه نحو 40 ألف طفل مصير اليتم، بعد فقدان أحد الوالدين أو كليهما، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومتين الصحية والتعليمية.
في هذا السياق، قالت أماني سراحنة، مديرة الإعلام في «ناد الأسير الفلسطيني»، في تصريحات لـ«الوطن»، إن مثول المعتقلين الإداريين أمام المحاكم الإسرائيلية يتم في إطار شكلي وصوري، في ظل غياب أي إمكانية حقيقية للتواصل مع المعتقلين خارج قاعات المحاكم، أو عبر الزيارات المحدودة، مؤكدة أن المعتقل لا يعرف سبب اعتقاله. وأوضحت «سراحنة» أن المحاكم الإسرائيلية لعبت، على مدار عقود، دوراً مركزياً في تكريس سياسة الاعتقال الإداري، معتبرة إياها أداة أساسية بيد أجهزة المخابرات الإسرائيلية، التي تُصدر قرارات الاعتقال في الضفة الغربية، فيما تصدر في القدس وداخل أراضي عام 1948 بقرار من وزير الأمن الإسرائيلي، في سياق يعكس تركيبة نظام فصل عنصري، يختلف تطبيقه باختلاف الجغرافيا الفلسطينية، وأضافت أن نحو 50% من الأسرى الفلسطينيين هم معتقلون إدارياً دون تهم، وهو ما يمثل تحولاً خطيراً وغير مسبوق.
وكشفت «سراحنة» عن تسجيل 180 طفلاً معتقلاً إدارياً حتى نهاية عام 2025، واصفة الرقم بأنه سابقة خطيرة في تاريخ هذه السياسة، حيث لم يُسجل سابقاً هذا العدد من الأطفال المحتجزين دون تهم، كما أنهم يواجهون ظروف اعتقال قاسية، تشمل التعذيب وسوء المعاملة، وأكدت أن جميع مؤسسات الاحتلال متواطئة في ترسيخ هذه السياسة، لافتة إلى وجود تمييز واضح في تطبيقها، إذ لا تُفرض إجراءات الاعتقال الإدارى على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، رغم خضوعهم نظرياً لنفس المنظومة القانونية، وهو ما يعكس ازدواجية قانونية تعمِّق من واقع التمييز العنصرى.
ومن جانبه، قال عبدالناصر فروانة الباحث المختص في شئون الأسرى، لـ«الوطن»، إن استخدام سياسة الاعتقال الإداري يُعد انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان الأساسية، في ظل احتجاز الأفراد دون توجيه تهم واضحة، أو تقديمهم لمحاكمات عادلة خلال فترة زمنية محددة، بالمخالفة لما نصت عليه المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأوضح «فروانة» أن سجن أي شخص دون توجيه تهمة أو محاكمة يمثل خرقاً خطيراً لحق الفرد في الحماية من الاعتقال التعسفي، وضمان سلامته الشخصية، مشيراً إلى أن المواثيق والأعراف الدولية أكدت، بشكل صريح، عدم مشروعية هذا الإجراء، كما كفلت حق ضحايا الاعتقال غير القانوني في الحصول على تعويض، وأضاف أن استمرار سلطات الاحتلال في انتهاج هذه السياسة، رغم وضوح النصوص الدولية التي تُجرِّمها يعكس غياب موقف دولي جاد، لافتاً إلى أن الصمت الدولي في كثير من الأحيان شكَّل عامل تشجيع لمواصلة هذا النهج.