جريمة غامضة تهز الشرقية.. العثور على زوجين مقتولين داخل منزلهما بالزقازيق
جريمة غامضة تهز الشرقية.. العثور على زوجين مقتولين داخل منزلهما بالزقازيق
مساء يوم الأحد الماضي.. داخل ديوان مركز شرطة الزقازيق.. كان كل شيء يسير بهدوء معتاد.. ضابط النوبتجية يتفحص دفتر الأحوال.. وأفراد القوة يتابعون أعمالهم اليومية.. دون ما يشير إلى أن الساعات المقبلة ستحمل واحدة من أكثر الجرائم غموضاً.
فجأة.. رنّ الهاتف.. بلاغ قصير قطع الصمت: «فيه ست مقتولة جوه بيتها بعزبة المخزنجي».
لم تمر سوى لحظات.. حتى التقط رئيس مباحث المركز البلاغ وتحرك على الفور.. أصدر تعليماته بسرعة: «قوة كاملة تتحرك حالاً».. وخلال دقائق كانت سيارات الشرطة تشق الطريق نحو قرية الشوبك.. أضواؤها تسبقها.. وصفاراتها تكسر سكون المكان.
ومع الوصول.. لم يضيع ثانية واحدة.. ترجل من السيارة.. نظر إلى تجمعات الأهالي.. وقال بحسم: «اقفلوا المكان.. محدش يدخل ولا يخرج».
انتشرت القوة في محيط المنزل.. فرضت كردوناً أمنياً محكماً.. تم إبعاد الأهالي.. وتأمين المكان بالكامل.. بينما صعد رئيس المباحث ومعه عدد من الضباط إلى الداخل لبدء الفحص.. ومن اللحظة الأولى.. بدا واضحاً أن ما ينتظرهم ليس مشهداً عادياً.
في الطابق الأرضي.. كانت جثة السيدة «هالة أحمد».. 45 عاماً.. مسجاة على الأرض.. غارقة في دمائها.. آثار طعنات متفرقة تغطي جسدها.. في مشهد يحمل قدراً كبيراً من العنف.. توقف رئيس المباحث قليلاً.. ألقى نظرة دقيقة حوله.. لم يجد آثار كسر أو اقتحام.. الأثاث في مكانه.. لا بعثرة.. لا سرقة واضحة.. فقط الدماء.

لكن تفصيلة صغيرة لفتت انتباهه.. منضدة عليها أكواب شاي.. لم تُمس.. وبجوارها موقد لا يزال دافئاً.. اقترب منها.. نظر إليها طويلاً.. ثم قال بصوت خافت: «كان فيه حد معاهم هنا».
في تلك اللحظة.. كان صوت صراخ يأتي من الخارج.. نجل المجني عليها.. طالب في المرحلة الثانوية.. يقف في حالة انهيار.. يردد: «أنا لسه شايفها الصبح».. كانت كلماته تختصر لحظة اكتشاف الجريمة.. حين عاد من مدرسته.. و فتح الباب.. فلم يجد سوى هذا المشهد.
وبينما كان الفحص مستمراً.. ظهرت أول فجوة في القصة.. الزوج غير موجود.. سأل رئيس المباحث بسرعة: «فين الزوج؟».. لم يجد أحد إجابة.. فأمر فوراً: «دوروا في كل دور».
صعدت القوة إلى الطابق الثاني.. ثم الثالث.. وهناك.. كانت الصدمة الثانية.. في أحد الأركان.. عُثر على جثة الزوج «عبدالعزيز محمد».. 50 عاماً.. ملقى على الأرض.. مصاب بطعنات متعددة.. مع آثار مقاومة واضحة.. هنا.. لم يعد الأمر مجرد جريمة.. بل لغز كامل. في هذه اللحظة تحديداً.. وصل محقق النيابة إلى موقع الحادث.. بكامل أناقته.. يرتدي بدلة بنية اللون.. صعد بهدوء.. لكن خطواته كانت تحمل حسماً واضحاً.. ألقى نظرة عامة على المكان.. ثم التفت إلى رئيس المباحث وقال: «إيه اللي عندك؟».
رد رئيس المباحث: «جثتين.. الزوجة تحت والزوج فوق.. مفيش كسر.. ومفيش سرقة واضحة».
رفع المحقق نظره نحو منضدة الشاي وقال: «والأكواب دي؟»
أجابه: «واضح إن كان فيه حد معاهم».
تحرك المحقق داخل المنزل.. عاين الجثتين بدقة.. ثم خرج ليستمع إلى الشهود.. لم يسمع أحد شيئاً.. لا صراخ.. لا مشاجرة.. فقط لحظة الانفجار عندما اكتشف الابن الجريمة.
عاد المحقق إلى الداخل.. وقف في منتصف المنزل.. وقال: «إحنا قدام حد دخل البيت بشكل طبيعي».
رد رئيس المباحث: «وغالباً قعد معاهم».
أشار المحقق إلى الأكواب: «ثلاثة.. يعني فيه ضيف».
ساد صمت قصير.. قبل أن يكمل: «الضيف ده هو مفتاح كل حاجة».
بدأت بعدها مرحلة أكثر تعقيداً.. فريق المعمل الجنائي رفع البصمات من الأكواب.. والأبواب.. وكل زاوية داخل المنزل.. تم تصوير مسرح الجريمة بدقة.. وتحديد مواقع كل تفصيلة.. بينما تحركت فرق البحث خارج المنزل.
تم تفريغ كاميرات المراقبة في محيط المنطقة.. مراجعة الساعات السابقة للجريمة.. تتبع كل شخص دخل أو خرج.. وفي الوقت نفسه.. تم فحص علاقات المجني عليهما.. دائرة المعارف.. الخلافات المحتملة.. الاتصالات الهاتفية.
داخل ديوان المركز.. جلس رئيس المباحث يعيد رسم السيناريو: «حد دخل.. قعد معاهم.. حصلت مشادة.. انتهت بجريمة».. لكن الصورة لم تكن مكتملة. مرت 24 ساعة.. ثم 48.. ثم أيام.. دون إجابة حاسمة.. لكن خيوطاً صغيرة بدأت تظهر.. أحد الجيران أدلى بوصف شاب شوهد بالقرب من المنزل.. وآخر أكد رؤيته يخرج في وقت معاصر لوقوع الجريمة.. وثالث دعم نفس الرواية.
ثلاث شهادات.. نفس الملامح تقريباً.. ومع استمرار تفريغ الكاميرات.. ظهرت اللقطة الحاسمة.. شاب يدخل.. ثم يغادر بعد وقت قصير.. توقيت خروجه يتطابق مع زمن الجريمة.
هنا.. بدأت الدائرة تضيق.. بعد 5 أيام من العمل المتواصل.. توصلت المباحث إلى هوية المشتبه فيه: «محمد. م».. 22 عاماً.. طالب جامعي.. والمفاجأة.. أنه نجل شقيق المجني عليه. خيط قلب كل الحسابات.
كشفت التحريات أن خلافات قديمة كانت قائمة بينه وبين عمه حول تقسيم الميراث.. خلافات تصاعدت في الفترة الأخيرة.
عقب تقنين الإجراءات.. تم ضبط المتهم.. وبمواجهته بالأدلة.. حاول الإنكار.. لكن سرعان ما انهار. قال في اعترافاته أمام رجال المباحث: «قعدت معاهم.. شربت الشاي.. واتكلمت في حقي في الورث.. طلبت نصيبي.. لكنهم رفضوا.. حصلت مشادة بيني وبين عمي».
توقف لحظة.. ثم أكمل: «اتعصبت.. روحت على المطبخ.. مسكت سكينة.. ورجعت.. وضربته».
وأضاف: «مراته حاولت تبعدني.. لكني ضربتها هي كمان.. مكنتش شايف قدامي.. كنت عايز أخلص الموضوع». صمت قليلاً.. ثم قال: «لما خلصت.. نزلت وجريت». تم اقتياده إلى سرايا النيابة العامة.. حيث مثل أمام المحقق.. شاب في بداية العشرينات.. ملامحه هادئة.. لكن كلماته كانت كاشفة.
واجهه المحقق بالأدلة.. كاميرات.. شهود.. تقارير فنية.. لم يجد مفراً. كرر اعترافاته تفصيلياً.. وأضاف: «مكنتش مخطط أقتلهم.. بس الخناقة كبرت.. وحصل اللي حصل».
لم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد.. بل تم اقتياده مرة أخرى إلى مسرح الجريمة.. وسط حراسة مشددة.. لتمثيل الواقعة.
وقف داخل المنزل.. نفس المكان.. نفس المنضدة.. نفس الأكواب.. وأعاد سرد ما حدث.. خطوة بخطوة.. من لحظة جلوسه.. إلى لحظة خروجه.
أشار إلى المطبخ.. ثم إلى مكان سقوط الضحيتين.. وكأن المشهد يعاد من جديد.. لكن هذه المرة.. بلا دماء. أكدت تقارير الطب الشرعي أن الوفاة نتيجة طعنات نافذة.. وأن الجريمتين وقعتا في توقيت متقارب.
وبعد استكمال التحقيقات.. قررت النيابة العامة حبس المتهم على ذمة القضية.. مع التصريح بدفن الجثتين عقب انتهاء الصفة التشريحية.
هكذا.. انتهى اللغز.. من أكواب شاي كانت شاهدة صامتة.. إلى اعتراف كشف كل التفاصيل.. اتضح أن «الضيف الأخير» لم يكن غريباً.. بل كان قريباً.. يحمل خلافاً قديماً.. تحول في لحظة غضب.. إلى جريمة أنهت حياة اثنين.. وتركت خلفها حكاية دامية.. بدأت بهدوء.. وانتهت بمأساة.