الروائي خالد إسماعيل: القوى الناعمة «جيش معنوي يقوِّي مركز الدولة».. ولا بد أن تحمل رسالة إنسانية (حوار)
الروائي خالد إسماعيل: القوى الناعمة «جيش معنوي يقوِّي مركز الدولة».. ولا بد أن تحمل رسالة إنسانية (حوار)
«يهمني الإنسان».. يكاد يكون هذا المبدأ هو الحاكم لتجربة الكاتب والروائي خالد إسماعيل الإبداعية، يكتب عن الإنسان ويكتب له، واعتزازًا بجذوره الجنوبية الراسخة «مواليد كوم العرب - طما بـسوهاج» يميل بعشق إلى الكتابة عن الصعيد وناسه وتحولاته وتراثه وعاداته، لا ينازعه في ذلك العشق سوى الكتابة عن المهمشين وضحايا التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تدهس طبقات كاملة بلا رحمة، كما لا يغيب عالم الصحافة والثقافة والسياسة بشخوصه وفورانه عن أعماله الإبداعية.
وقد عاصر خالد إسماعيل مراحل وأحداثًا تاريخية عاشتها مصر والوطن العربي، أثرت فيه وتأثر بها، حتى نما مشروعه فكريًا وأدبيًا وإنسانيًا، وبات صاحبه يعرف بأنه «أحد حراس الهوية المصرية»، إذ لا يكل من التحذير من المخاطر التي تهددها، وتمثل كتاباته الصحفية وأعماله الإبداعية حصونًا للوعي تجابه مساعي محو الهوية المصرية وتزييف التاريخ، لحساب قوى تتغير وتتبدل مع الزمن، أبرزها اليوم العولمة الأمريكية والثقافة «الأمريكية - الإسرائيلية» التي تستهدف إبادة الشعوب فكريًا وتقزيم دور مصر الثقافي.
في هذا الحوار الذي يأتي ضمن حوارات «الوطن» مع «حراس الهوية» في الثقافة والفن والعلوم الإنسانية ورموز القوى الناعمة المصرية، يطرح الكاتب والروائي خالد إسماعيل جانبًا مضيئًا من رؤيته للمخاطر التي تهدد الهوية المصرية، وسبل مجابهتها، وكيف يمكن استعادة دور المثقف المصري والقوى الناعمة صاحبة الرسالة لتكون بحق «جيشًا معنويًا يقوي مركز الدولة والمجتمع». وإلى نص الحوار:

بداية.. معروف أنك كاتب مهموم بالهوية والشخصية المصرية.. التأصيل لها والتحذير مما يهددها، برأيك ما سر خصوصية هذه الهوية؟
الهوية المصرية هي هوية عربية الثقافة، إسلامية الوجدان، مسلمة التكوين، أفريقية الأرض والحياة، آسيوية الفكر. بصيغة أخرى، مصر عربية أفريقية مسلمة، ومسلمة تعني أيضًا أنها مسيحية، فكل من يعبد الله هو مسلم، حتى لو كان من اليهود والمسيحيين «وإلهنا وإلهكم واحد». ومصر أفريقية بالجغرافيا وأسباب الحياة، نهر النيل يأتي من هضبة الحبشة، وهو واهب الحياة وعصب الحضارة الزراعية. ومصر آسيوية الفكر، منها تلقت المسيحية، وسيدنا عيسى المسيح فلسطيني من الناصرة، ومنها تلقت الإسلام، ومحمد النبي الأعظم قرشي وُلد في مكة. ومصر عربية بالأب فرعونية بالجدّ، حسب قول دكتور جمال حمدان. هذه الدوائر الثلاث ارتبكت بظهور الحركة الصهيونية، حتى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.
اليوم.. ما أخطر ما يهدد الهوية والشخصية المصرية؟
إسرائيل هي العدو والخطر الأول على مصر والعرب، لأنها أداة استعمارية تحمل الكراهية لكل مكونات الوطن العربي، ومصر هي قلب الوطن العربي شاء من شاء وأبى من أبى، هذه حقائق الجغرافيا والتاريخ. والخطر اليوم يهدد الهوية المصرية تحت عنوان «الثقافة الأمريكية - الإسرائيلية» أو «المسيحية الصهيونية» التي تقود أوروبا وأمريكا والدول التابعة لها في اتجاه هدم الهويات ومحوها، ليكون الكوكب أمريكيًا على هوى تجار البترول والسلاح الذين يحكمون واشنطن.
هل هناك صلة بين العولمة وطوفان «الشهرة والمال» الذي يغازل الأدباء من كافة الأجيال حاليًا، ويوجه إنتاجهم الفكري والأدبي في اتجاهات معينة؟
بالطبع هناك صلة وثيقة، وأخطر هذه الإغراءات هي بعض الجوائز المالية الضخمة المرتبطة بأجندة العولمة الأمريكية، وهذه تستحق منا قراءة في التاريخ لنعرف خطورتها والهدف الكامن وراءها. ولنعرف أيضًا مدى ارتباط تقدير الإبداع بالقضية الوطنية، علينا العودة إلى ثورة 1919 ومعركة التحرر الوطني التي انتهت بجلاء آخر جندي أوروبي عن مصر في 1956.
ثورة 1919 استعادت الهوية المصرية التي غابت تحت ركام الطغيان الثقافي العثماني، المتدثر بعباءة الدين والخلافة الإسلامية، وحددت طبيعة الحل لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي بشعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وهذا معناه طرد الاحتلال البريطاني، والخروج من عباءة الخليفة العثماني التركي. ولم يكن الصوت العربي «السياسي» في هذه الثورة واضحًا، فاستدعى المصريون الحقبة الفرعونية الجامعة التي توحد على أرضها المسلمون والأقباط، بعد مرحلة من التيه والشقاق بين عنصري الوطن.
وكان الأدب أول من استفاد من هذه الثورة، فأصبح مصري الموضوع، وظهرت رواية «زينب» للكاتب د. محمد حسين هيكل، وظهرت بعدها بفترة رواية «عودة الروح» التي نشرت في منتصف الثلاثينيات للكاتب توفيق الحكيم.

نفهم من ذلك أن وعياً جديدًا قد تشكَّل على أرضية مصرية خالصة، وبالتالي كان يستحق التشجيع والدعم من المجتمع؟
أصبح الكلام داخل النخبة المثقفة بعد ثورة ثورة 1919 يدور حول وطنية الأدب ومصريته، ولم يتكلم أحد عن قبطية الأدب، لأن اللغة العربية هي لغة المصريين، ولم يكن هذا الأمر محل خلاف، والعروبة الثقافية قائمة وتشكل عنصرًا حيًا من عناصر العقل المصري السياسي والإبداعي. وفي هذا الإطار سعى مجمع اللغة العربية بالقاهرة لدعم الهوية الثقافية العربية، ودعم الأدب، فخصص جائزة للأدباء الموهوبين، وكذلك فعلت المبدعة «قوت القلوب الدمرداشية»، وكانت وزارة المعارف تنظم مسابقات وتمنح الفائزين جوائز تشجيعية. والخلاصة هي أن الجائزة كانت تستهدف تشجيع المبدعين على إنتاج أدب قادر على ترسيخ الهوية والخصوصية الثقافية المصرية، ولك أن تعرف أن نجيب محفوظ فاز بجائزة «قوت القلوب الدمرداشية» وكانت قيمتها جنيهات قليلة، لكنها منحت الأديب الشاب آنذاك قوة دفع ليطور أدواته ويواصل سعيه الإبداعي. وفي عام 1957 صدر قانون جوائز الدولة في مصر بهدف ضخ دم جديد في مشروع الاستقلال الوطني الذي تبنته القوى الوطنية التي صنعت برنامج ثورة 23 يوليو 1952.
وكيف تأثر وزن مصر الثقافي بغياب تقدير المبدعين الحقيقيين وتراجع الجوائز المصرية، مقابل صعود الجوائز المالية الكبيرة؟
بعض الجوائز العربية ذات القيمة المالية الضخمة تهدف إلى ترسيخ التبعية الذهنية والإبداعية لبرنامج العولمة الأمريكية، وبهذا فإنها تهدف لاختصار مساحة مصر الثقافية وتقليص حضورها. ونجح بعض هذه الجوائز في خلق جماعات موالية لمانحيها، لكنها جماعات هامشية لا أثر لها في البناء الثقافي المصري العريق. ومنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من قيادة حركة التحرر في أفريقيا والعالم الثالث، هناك محاولات لتقزيم دورها الثقافي، فقد حاولت أمريكا جعل بيروت أهم من القاهرة، وحاولت أوروبا جعل الرباط ومدن المغرب العربي مصدر الفكر النقدي الحديث الداعي للتحضر والاندماج في الغرب الأوروبي. وانبهر المثقفون المصريون بالأكاديميين المغاربة لفترة قصيرة، وانبهروا بالمطابع والصحف البيروتية لفترة قصيرة أيضًا، وفي السنوات الأخيرة عاد هذا الدور مجددًا، دور الوكيل الثقافي أو الشريك الصغير في المشروع الأمريكي أو العولمة الهادفة لصبغ الكوكب بالصبغة الأمريكية.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية الطاحنة نشأ جيل يسعى للفوز بالجوائز المالية الضخمة حسب النظرية القديمة «خبطة العمر»، وهذا ما يسعى القائمون على هذه الجوائز لفرضه على المشهد الثقافي العربي عمومًا ومصر على وجه الخصوص. والمصريون يواجهون ذلك بطريقة «الفلوس مش كل حاجة»، وبالفعل الوضع السياسي الإقليمي والعالمي الذي نعيشه اليوم أثبت أن الفلوس لا تصنع الدور السياسي ولا المكانة الثقافية.

وكيف يمكن مقاومة هذا الاستهداف لمصر وثقافتها وإعادة الاعتبار والاحتكام لمبدأ الموهبة والكفاءة؟
جوائز الدولة المصرية ظهرت في الحياة الثقافية في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين مع تأسيس وزارة الثقافة المصرية والإرشاد القومي، ثم فصل الثقافة عن الإرشاد القومي «الإعلام» ومجيء ثروت عكاشة وزيرًا للثقافة. هذا السياق الذي ظهرت فيه الجوائز كانت من ملامحه جامعة القاهرة وجامعة عين شمس وجامعة أسيوط وجامعة الإسكندرية، بكل ما تحوي كلمة «جامعة» من معانٍ، ومنها أن أساتذة النقد في هذه الجامعات كانوا يمتلكون النزاهة والوطنية والموضوعية والشعور بالمسؤولية، فكانوا يحرصون على أن تظل هذه الجوائز محل تقدير المثقفين، فلا تذهب إلى غير مستحقيها.
وكانت مهمة التحكيم في هذه الجوائز ومهمة الترشيح محكومة باحترام هيبة الدولة المصرية، واحترام قيمة العمل، واحترام الإبداع، ولك أن تعرف أن جائزة الرواية العربية التي فاز بها الأديب السوداني الطيب صالح أسعدته رغم تواضع قيمتها المالية، لأنها جائزة مصرية، ومصر هي التي قدمت الطيب صالح للقارئ العربي، وطبعت دار الهلال روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، وكتب عنه الناقد رجاء النقاش مقالات ودراسات، فأصبح معروفًا في القاهرة وكل العواصم العربية.
لكن في مراحل لاحقة تراجعت جوائز الدولة المصرية بسبب لجان التحكيم غير المؤهلة لهذا الدور، والحل الوحيد لاستعادة هذه الجوائز لمكانتها هو منع كل «الموظفين» الذين قضوا سنوات طويلة في لجان هذه الجوائز من المشاركة في التصويت، واستبدالهم بوجوه وطنية مخلصة، لأنه لم يعد لدينا موظفون بقيمة نجيب محفوظ أو يحيى حقي، والاثنان كانا موظفين في وزارة الثقافة المصرية.

تحذر دومًا في أحاديثك الصحفية وكتاباتك من خطر «الشلة» على الأدب والمجتمع.. هل من مخرج لتخليص الأدب من هذا الخطر؟
فكرة «الشلة» الثقافية نشأت في أحضان التنظيمات اليسارية السرية، ومنها انتقلت العدوى بانتقال جماعات اليسار إلى وزارة الثقافة المصرية ومؤسسات الصحافة في منتصف الستينيات. وفي الوقت ذاته كانت عناصر اليمين الرجعي تسعى للقضاء على هيمنة العناصر اليسارية على مجلات وزارة الثقافة، وهذا خلق حالة الشلل والجماعات التي تستخدم أدوات الوظيفة ونصوص القانون لخدمة أهدافها الخاصة تحت شعار «شيّلني وأشيّلك».
وضاعت المسؤولية الوطنية من قلوب وعقول أعضاء هذه الشلل «الأنانية»، وانعكس هذا المناخ التآمري على الحياة الثقافية، فأصبح الكاتب الفلاني هو الأكثر أهمية ونجومية لأنه عضو في شلة الناقد الفلاني، وصديق رئيس تحرير الجريدة الفلانية، وابن شقيقة رئيس القناة والإذاعة، وكانت النتيجة سوء سمعة المثقف المصري في المحيط العربي، وسيطرة العناصر الرديئة على مصير الإبداع والمبدعين، والخاسر الأكبر هو الوطن بالطبع.

ما قراءتك الحالية لمفهوم القوى الناعمة لمصر وسبل تنشيطها واستعادة تأثيرها مجددًا؟
القوى الناعمة لا بد أن تكون حاملة رسالة، بمعنى أن كل المبدعين في كافة المجالات يقدمون الإبداع والفن في صيغة فردية، لكن لكي تصبح القوى الناعمة قوة مضافة لصالح تقدم المجتمع وقوة الدولة بالمعنى السياسي، لا بد من وجود رسالة. على سبيل المثال كانت القوى الناعمة المصرية في ستينات القرن الماضي تعمل وفق رسالة العداء للاستعمار ودعم حركات التحرير والتنسيق مع الدول المحبة للسلام، هذه الرسالة انتهت وتغيّرت الخريطة السياسية والثقافية الدولية.
واستطاعت القوى الناعمة المصرية أن تظل في قلب الفعل التحرري العربي. دعني أذكّر القارئ بموقف الفنانة نادية لطفي من دعم المقاومة الفلسطينية اللبنانية في ظل حصار بيروت في ثمانينيات القرن العشرين، وموقف المثقفين المصريين في نفس الأزمة، وسفرهم للتعبير عن التضامن مع المقاومة الفلسطينية رغم الحصار الإسرائيلي.
ودعني أذكّرك بموقف الفنانين المصريين من قضية الإرهاب المتأسلم في تسعينيات وثمانينيات القرن العشرين، والصحافة المصرية التي ظلت لسنوات تحارب الإرهاب وتمنح الرأي العام المعلومات وتساعده على تكوين رؤية حول ما يحدث في فلسطين.
إذن القوى الناعمة الحاملة للرسالة الإنسانية هي جيش يقوم بدوره الفكري والثقافي والمعنوي، ويقوّي مركز الدولة المصرية ويقدّم خدمات مهمة للوعي الجمعي والوجدان الجمعي للمجتمع.
لكن الوضع الحالي أفرز بعض النماذج التي تحترف بيع ما تكتب دون التوقف أمام كلمة «رسالة»، وهذا جعل الجماهير تنفض من حولهم وتُنزلهم من المكانة التي كانوا فيها. ولم يعد لدينا رموز مثل فاتن حمامة أو أم كلثوم أو شادية الذين ارتبطوا بدور اجتماعي وثقافي واسع.
وفي المقابل، المطلوب اليوم هو إعادة بناء هذه القوة الناعمة على أساس مشروع وطني واضح، واستعادة الثقة بين المثقف والجمهور، لأن الصراع لم يعد سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، بل ثقافيًا أيضًا، ومصر لا بد أن تستعيد موقعها كقوة تأثير وليست مجرد متلقٍ داخل المشهد العالمي.

في ظل ثورة التكنولوجيا التي تسمح للكاتب اليوم بالانتشار السريع بدلًا من انتظار نشر أعماله لسنوات.. ألا تعوض هذه الأدوات الكُتاب أصحاب القيمة والموهبة عن تجاهلهم؟
التكنولوجيا وشبكة الإنترنت منحت المواطن السمّ والعسل، وليس السمّ في العسل، منحت كل من يحمل جهاز تليفون وكارت شحن حق محاكمة العالم، وأضعفت الصحافة التقليدية، لكنها لم تطور الوعي الجماهيري، بل تحولت إلى أداة تمزيق لكيانات الدول نفسها. وفي الوقت نفسه كسرت الاحتكار الإعلامي الذي كان تحت سيطرة الحكومات وحدها، ومنحت كل صاحب بضاعة فرصة عرض بضاعته، لكن هذا كله لم ينعكس على الثقافة ولم يدعم المشاريع الإبداعية الجادة.
وأصبحت وسائل نقل الأخبار وسائل لغسل الأموال ونشر الفضائح وتشويه السمعة وترهيب الناس، وتغير مفهوم الإبداع لأن هذه الوسائل تأتي من مركز الهيمنة على العالم، فنحن جمهور مستهلك، والغرب يتحكم في هذه الشبكة «العنكبوتية» لخدمة الرأسمالية العالمية المتوحشة. والمطلوب هو تقنين هذه الوسائل بما يجعلها أداة في خدمة الأهداف الوطنية والقومية.
وبالنسبة للثقافة والإبداع، خسرت الثقافة كثيرًا من القراء والمهتمين بكل فروع الفكر والفن، لأن السياق الحالي خلق مجموعة متابعين ليس من خصائصهم البحث العميق أو إنفاق الوقت في تحصيل معرفة حقيقية.
● في (غرب النيل) – حرصت على أن يكون عنوان المجموعة القصصية هو المكان (غرب النيل) والصعيد عمومًا.. وهذه سمة في كثير من أعمالك – هل ما زال المكان له ذات التأثير في شخصية وإبداع الكتاب المعاصرين أم تراجعت قيمته؟
مجموعة غرب النيل القصصية كتب عنها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي بترشيح من الكاتب الصحفي والشاعر خالد حنفي، ونشر الأبنودي ما كتبه عنها في جريدة الأخبار، واعتبرتُ ما كتبه الجائزة الحقيقية.
وغرب النيل هي مجموعتي القصصية الثانية بعد مجموعة درب النصارى الصادرة عام 1997، وهي كتابي الأول، وصدر عن سلسلة إبداعات في هيئة قصور الثقافة.
والمكان هنا «غرب النيل»، فالغرب في وادي النيل يختلف عن الشرق؛ الغرب فيه قبائل تغريبة بني هلال العائدة، وهم من يسمون «عرب الهجرتين»، وفيه المقابر المصرية القديمة، وفيه تأثير الثقافة الدينية المسيحية أقوى، حيث كثافة الأقباط والأديرة التي أُقيمت في الصحراء، وكل هذا جعل هذه المجموعة تفوز برضا الأبنودي وتفشل في الفوز برضا مانحي الجوائز.

● تستخدم في بعض رواياتك مزيجًا من العامية والفصحى.. ما الغرض من هذا المزيج؟ هل هو تأكيد على أصالة العامية فحسب؟ أم انحياز للواقع؟
لم أهتم بالتفصيح، ولم أعتمد العامية بصورة مطلقة، بل حاولت كتابة لغة تعبر عن الجماعة التي أكتب عنها دون تزيّد أو تزييف، فجاءت لغتي عبارة عن سبيكة بين الفصحى والعامية، والفيصل هنا القدرة التعبيرية للمفردة، وهذا ما تعلمناه من الرائد الكاتب الكبير يحيى حقي.
● أخيرًا.. كصحفي عايش تجارب كثيرة وتحولات المهنة، تحرص على أن يكون عالم الصحافة ضمن أحداث كتاباتك؟ هل تقصد تأريخًا بصورة غير مباشرة لهذه التجارب والتحولات التي شهدتها؟
الصحافة والسياسة وجهان لعملة واحدة، والروائي عليه أن يتعمق في دراسة تفاصيل وتاريخ المجتمع الذي يكتب منه وعنه. وعالم الصحافة عالم شديد الخصوبة يُغري بالكتابة الروائية والقصصية لأنه مليء بنماذج بشرية تستحق أن تُكتب.
وكتبي مثل «الخروج إلى الحرية» وقبله «حكايات وشخصيات» ثم «عبد الوهاب الأسواني.. حكّاء الجنوب» هي أعمال استمتعت بكتابتها ونشرها، لأنها تعبّر عن جزء مهم من مشروع الكتابة عندي، فأنا روائي وقاص وصحفي، وهذه الكتب فيها إرضاء للصحفي المهموم بالشأن العام والدور التربوي والتثقيفي للمثقف الوطني.
وفيها تجربة كتابية تختلف عن السرد الروائي والقصصي، لأنها تعكس معارك فكرية خضتها بشكل واضح ومعلن ضد حلفاء إسرائيل وضد جماعة الإخوان وضد مرتزقة العولمة الأمريكية.