«دينيس-1» تحت المجهر.. ماذا يضيف لمستقبل الطاقة في مصر؟
يُعد الغاز الطبيعي إحدى أهم ركائز التنمية التي تعتمد عليها قطاعات عديدة داخل الدولة؛ فبدونه قد تتحول الحياة إلى ظلام دامس، وتتوقف المصانع، وينخفض الإنتاج الزراعي الذي يعتمد على الغاز في إنتاج الأسمدة، وما يشهده العالم حالياً من توترات حادة بسبب اضطراب إمدادات الغاز، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، دليل واضح على مدى أهمية هذا المورد الحيوي.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت مصر موجة جديدة من اكتشافات الغاز الطبيعي، أعادت طرح تساؤل مهم: هل يمكن العودة إلى الاكتفاء الذاتي؟ ويأتي هذا التساؤل خاصة بعد الإعلان عن كشف جديد في البحر المتوسط، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز في بئر «دينيس-1»، إلى جانب اكتشافات أخرى أصغر في دلتا النيل ومناطق الامتياز المختلفة.
هذه التطورات تطرح عدة تساؤلات جوهرية حول حجم تلك الاكتشافات، ومدى تأثيرها الحقيقي على سوق الطاقة المحلي، وكيفية إدارة هذه الثروة دون تكرار المشاكل التي واجهها حقل «ظهر»، الذي يُعد أضخم اكتشاف للغاز في مصر باحتياطيات تُقدَّر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، ورغم كونه نموذجاً ناجحاً في بداياته، إلا أنه شهد تراجعاً في الإنتاج مع مرور الوقت لأسباب فنية وطبيعية، من أبرزها السحب السريع، وتأخر بعض أعمال الحفر والصيانة، إضافة إلى تحديات تمويلية مع الشركات الأجنبية.
وقد أدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج من ذروته، وهو ما كشف أهمية الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية.
من هنا، يصبح من الضروري تجنب تكرار هذه التجربة عبر الالتزام بعدة أسس، أهمها تحقيق التوازن في الإنتاج، ووضع خطط طويلة الأجل تضمن استدامة الموارد بدلاً من تحقيق مكاسب سريعة، إلى جانب الاهتمام بأعمال الصيانة المستمرة وحفر آبار جديدة للحفاظ على معدلات الإنتاج، فضلاً عن تنويع الحقول وعدم الاعتماد على حقل واحد فقط.
وبالعودة إلى الاكتشاف الأخير في بئر «دينيس-1»، نجد أنه يُعد من أبرز الاكتشافات الحديثة، حيث يحتوي على نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، بالإضافة إلى حوالي 130 مليون برميل من المتكثفات، ويقع هذا الكشف قبالة سواحل بورسعيد، بالقرب من بنية تحتية قائمة بالفعل، ما يمنحه ميزة اقتصادية مهمة من حيث سرعة ربطه بالإنتاج وتقليل التكاليف.
ورغم أهمية هذا الاكتشاف، فإنه يظل محدوداً مقارنة بالحقول العملاقة مثل «ظهر»، وبالتالي فإن وصفه بـ«الضخم» يظل نسبياً؛ إذ يمثل إضافة مهمة للإنتاج، لكنه ليس كافياً بمفرده لإحداث تحول جذري في خريطة الطاقة في مصر.
ولا تزال هناك آمال قائمة على اكتشافات أخرى، خاصة في منطقة دلتا النيل، وإن كانت أقل حجماً، حيث تُقدَّر إنتاجية بعض الآبار الجديدة بنحو 50 مليون قدم مكعب يومياً، ويعكس ذلك نمطاً جديداً من الاكتشافات المتوسطة والصغيرة، التي تساهم في دعم الإنتاج تدريجياً، كما تخطط الدولة لحفر نحو 14 بئراً استكشافية جديدة، تستهدف إضافة ما يصل إلى 12 تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات في حال نجاحها، وهو ما قد يمثل نقطة تحول حقيقية إذا تحقق.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تقود هذه الاكتشافات إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي؟
الإجابة الواقعية هي: ليس في المدى القريب، فمصر تعاني حالياً من فجوة بين الإنتاج والاستهلاك تُقدَّر بنحو 2 مليار قدم مكعب يومياً، إذ يبلغ الإنتاج حوالي 4 مليارات قدم مكعب يومياً، في حين يصل الاستهلاك إلى نحو 6 مليارات. وهذا يعني أن الاكتشافات الجديدة، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لسد هذه الفجوة بالكامل.
فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يتراوح إنتاج بئر «دينيس-1» بين 150 و200 مليون قدم مكعب يومياً، وهو رقم محدود مقارنة بإنتاج حقل «ظهر»، الذي بلغ في ذروته نحو 2.7 مليار قدم مكعب يومياً.
ولتحقيق اكتفاء ذاتي مستدام، تحتاج مصر إلى أحد مسارين: إما اكتشاف حقل عملاق جديد بحجم قريب من «ظهر» (20 - 30 تريليون قدم مكعب)، أو تحقيق سلسلة من الاكتشافات المتوسطة بإجمالي احتياطيات يتجاوز 10 إلى 15 تريليون قدم مكعب، مع سرعة إدخالها إلى مرحلة الإنتاج.
وبعبارة أخرى، فإن اكتشافاً واحداً بحجم 2 تريليون قدم مكعب قد يسهم في تغطية جزء من الاحتياجات لفترة محدودة، لكنه لا يمثل حلاً طويل الأجل، خاصة في ظل تزايد الطلب المحلي على الطاقة.
في النهاية، تمثل الاكتشافات الأخيرة للغاز في مصر خطوة إيجابية ومهمة، لكنها لا تزال في إطار تعزيز الإنتاج، وليس تحقيق الاكتفاء الكامل، فالوصول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب مزيجاً من الاكتشافات الكبرى، والإدارة الجيدة للموارد الحالية، لا سيما في ظل التراجع الطبيعي لإنتاج الحقول الكبيرة، وإذا نجحت مصر في تحقيق هذا التوازن، فإنها لن تكتفي فقط بتأمين احتياجاتها، بل قد تستعيد أيضاً طموحها كمركز إقليمي لتصدير الغاز في منطقة شرق المتوسط.