لحن على ورقة لحمة

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

في واحدة من الحكايات التي تكشف معدن المبدع الحقيقي، يطل علينا اسم محمد عبدالوهاب، ليس فقط كأحد أعمدة الموسيقى العربية، بل كنموذج للفنان الذي كان لا يتوقف عن التقاط لحظات الإلهام، مهما كان المكان أو الظرف.

الحكاية بسيطة فى ظاهرها، لكنها عميقة فى دلالتها.

موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب يجلس فى المقعد الخلفى لسيارته، يتجول فى شوارع الزمالك، ومعه ابنه محمد محمد عبدالوهاب، والسائق الخاص به، وفجأة تداهمه نغمة، فكرة لحن، شرارة إبداع لا تقبل التأجيل.

طلب من السائق البحث عن ورقة، نزل السائق ولم يجد فى وجهه سوى محل للجزارة، طلب من صاحب المحل ورقة بعد أن عرفه أنه سائق الأستاذ، فما كان من الجزار إلا أن منحه ورقة جزارة، وذهب بها للأستاذ، الذى قام بوضع خطوط طولية، أى حولها إلى ما يشبه النوتة الموسيقية، دون عليها النغمات التى ألحت على ذهنه.

هنا تتجلى حقيقة الفنان، الذى لا ينتظر اكتمال الأدوات، بل يصنع من المتاح عالماً كاملاً. فالإبداع لا يعرف رفاهية التأجيل، ولا يعترف بالظروف المثالية، بل يولد فى لحظة خاطفة، ويبحث عمن يحتضنه قبل أن يتلاشى.

فى تلك اللحظة، لم يكن «عبدالوهاب» فى سيارة، ولا فى شارع، بل كان فى حالة انصهار كامل مع نغماته، كأن الزمن توقف ليمنحه فرصة القبض على الفكرة قبل أن تهرب.

وهنا يكمن الفارق بين فنان عابر، وفنان يدرك أن كل ومضة قد تكون بداية عمل خالد. لذلك، لم يكن غريباً أن تتحول ورقة لحم حمراء إلى صفحة من تاريخ الموسيقى، وأن يصبح موقف عابر درساً عميقاً فى أن الموهبة الحقيقية لا تنتظر.. بل تفرض حضورها فى أى زمان ومكان.

الإبداع عند الكبار لا ينتظر، لا يعرف مواعيد أو تجهيزات مسبقة، هو لحظة خاطفة، إن لم تُقتنص ضاعت إلى الأبد.

لذلك، لم يتردد «عبدالوهاب» فى أن يطلب ورقة وقلماً، وعندما لم يجد سوى «ورق اللحمة» الأحمر السميك، لم يتعامل معه كبديل مؤقت، بل كمنقذ للحن الذى وُلد لتوه. رسم عليه خطوط النوتة، وبدأ فى تسجيل ما خطر بباله، وكأنه يخشى أن تهرب النغمات من ذاكرته قبل أن تتحول إلى حقيقة مسموعة.

هذه القصة، التى رواها نجله «محمد» منذ أيام، فى لقاء مع منى الشاذلى، ليست مجرد موقف طريف يُروى للتسلية، بل هى درس عميق فى فهم طبيعة المبدع. الفنان الحقيقى يعيش فى حالة استعداد دائم. عقله وقلبه فى حالة يقظة مستمرة، يلتقط التفاصيل الصغيرة، يحول العابر إلى باقٍ، و الفكرة إلى واقع، يصنع من اللحظة العابرة عملاً خالداً.

الفنان لا يملك رفاهية التأجيل. الإبداع ليس موظفاً يعمل من التاسعة إلى الخامسة، بل هو كائن حى يسكن صاحبه، يفرض حضوره فى أى وقت.

لذلك، نجد أن أغلب المبدعين يعيشون فى حالة «ولادة مستمرة»، كما لو أن كل يوم يحمل احتمال لعمل جديد، فكرة جديدة، أو لحن جديد.

هم لا ينتظرون الظروف المثالية، بل يصنعون من أى ظرف فرصة.

ومن هنا نفهم لماذا كانت لكل أغنية فى ذلك الجيل حكاية.

لم تكن الأغنيات مجرد كلمات تُلحن وتُغنى، بل كانت نتاج تجربة، لحظة صدق، أو موقف إنسانى.

كان اللحن يولد من الشارع، من الحياة، من تفاصيل الناس، وليس من غرف مغلقة فقط، لذلك بقيت تلك الأعمال، لأنها خرجت من روح حقيقية، لا من حسابات سريعة.

جيل المبدعين الحقيقيين كان يؤمن بأن الفن مسئولية، وأن الموهبة أمانة. لم يكن يبحث عن النجاح السريع، بل عن البقاء.

وكان يدرك أن هذا البقاء لا يتحقق إلا بالصدق، وبالعمل الدؤوب، وبالاستعداد الدائم لاستقبال لحظة الإلهام، مهما كانت غريبة أو مفاجئة.

حكاية «ورقة اللحمة» تختصر كل ذلك.

تختصر علاقة الفنان بموهبته، وتؤكد أن الإبداع لا يعترف بمكان أو زمان، ولا ينتظر الظروف المثالية، فالفنان الحقيقى يظل أسيراً لموهبته، تدفعه، توقظه، وتفرض عليه أن يكون جاهزاً دائماً.. لأن لحظة واحدة قد تصنع تاريخاً.