عن التمكين وأستاذية العالم
أبرز ما يميز جماعة الإخوان هو الازدواجية الشديدة في كل شيء، وهي ازدواجية لا تعبر عن التنوع الفكري البشري المعتاد، بل تصل حد الشيزوفرانيا، كنتيجة طبيعية للتضارب ما بين الأقوال والأفعال، وما بين المعلن وغير المعلن، ما بين الخطاب الداخلي المتسم بالتحفظ والالتزام، والخطاب الخارجي المتحرر والمنفتح على العالم. على سبيل المثال، تروّج الجماعة لنفسها محلياً كطرف مُعادٍ لأوروبا وأمريكا، وتصفهما بالشيطان الأكبر، لكن المفاجأة الأكبر التي كشف عنها الربيع العربي، كانت في اكتشاف أن العلاقات ما بين الطرفين أقوى وأعمق مما هو ظاهر لنا، علاقات قد تصل حد الزواج السري غير المنطقي وغير المبرر، ما بين أطراف دولية تدّعي الليبرالية وتنادي دوماً بفصل الدين عن السياسة، وبين جماعة تدّعي الإسلام، وهو بالنسبة لها أداة تتاجر بها وتتكسب من ورائها.
لكي نتفهم العلاقة ما بين الإخوان والغرب، يجب أن نتفهم أولاً مبدأ «أستاذية العالم»، والذي كان أحد أهم مبادئ الجماعة عند تأسيسها عام 1928 على يد حسن البنا الشهير بحسن الساعاتي، والتي ترى أن هدفها الرئيسي هو أن تكون الجماعة الممثل السياسي الدولي للشعوب الإسلامية؛ مشروع سياسي بديل عن الخلافة الإسلامية عقب سقوطها في عشرينات القرن الماضي، ويتطور تنفيذ هذا الهدف لمراحل متتالية، تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الحكومة والخلافة وتنتهي بتحقيق هذه الأستاذية.
وتعتبر «أستاذية العالم» هي الروح لمشروع التمكين، والذي يعتبر الهدف الأهم لهذه الفئة الضالة، والذي لأجله كان كل شيء منذ بدايتها حتى سقوطها عام 2013، ورغم توالي إنكار قادة الجماعة على مر السنين ارتباطهم بمثل هذه المشروعات، إلا أنهم لم يعترفوا بها سوى عند وصولهم للحكم، هنا فقط تحول مشروع التمكين من إشاعة إلى استراتيجية عمل شاملة، وبدأنا نرى تشكيل المجموعات المسلحة المخالفة للقانون والدستور، ثم تفعيل سيناريو الصدام المتعمد مع مؤسسات الدولة، وبدأت الجماعة تقدّم نفسها باعتبارها حركة سياسية دولية عابرة للحدود، بعد عقود من الادعاء بأنها مجرد حركة دعوية محلية داخل مصر، بل باعتبارها مشروعاً حضارياً واسعاً يتجاوز حدود الدولة الوطنية.
لأجل التمكين، عملت الجماعة منذ بدايتها على عدة مسارات في آن واحد، أولها التقرب للمجتمع عبر عدد كبير من المشروعات الخدمية والتعليمية، وثانيها، اختراق النخب السياسية المتنوعة، وكثيراً ما حذرنا من اختراق هذه الجماعة لكافة التيارات السياسية والمجتمعية، حتى تلك التي يوجد لها ميراث تاريخي من الكراهية المتبادلة كالناصريين، حتى أصبح لدينا إخوان بعدة وجوه تتنوع ما بين الليبرالي والمحافظ والمدني والسلفي، وثالثها، العمل على نشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية والإسلامية، وهو ما تسبب في إعادة إنتاج الجماعة في كل مرة يتم استئصالها من النسيج الوطني.
ورابعها وأهمها، وهو الانتشار داخل المجتمعات الأوروبية، وهو ما تم عن طريق سيطرتهم على عدد من المراكز الإسلامية بهذه الدول، واستثمار موجات الهجرة من الدول الإسلامية إلى أوروبا وأمريكا، والتي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن احتياج هذه الحكومات لجهات تمثل مواطنيها المسلمين، بقصد دمجهم في المجتمعات الغربية، ومراعاة خصوصياتهم الثقافية ومخاوفهم المجتمعية، ما أدى إلى تكوينهم عدداً غير قليل من الروابط لهذه الفئات، لا سيما في المدارس والجامعات، والتي أصبحت مع مرور الوقت من أهم مصادر التجنيد لهذا التنظيم.
في تلك المرحلة، كانت العلاقة نفعية متبادلة بين الطرفين، حيث استفاد التنظيم بتوفير ملاجئ آمنة لقادته الهاربين من الملاحقات الأمنية في بلدانهم الأصلية، وعدد من الفرص الاستثمارية الكبرى لاقتصاد الجماعة، والناتج عن الأموال التي تحصّل عليها عبر الاشتراكات الشهرية، والشركات المملوكة للتنظيم في جميع أنحاء العالم، في حين استفادت الدول الغربية بالتعاون مع تيار إسلامي أقل تطرفاً وخطورة. ورغم سذاجة وسطحية هذا الطرح، إلا أن إمكانية استخدامهم في تنفيذ المؤامرات ضد بلدانهم الأصلية، واستغلال تابعيهم في هذه الدول كمصادر مجانية للتجسس وجمع المعلومات المختلفة، قد ساهما في تمريره وقبوله. في كل الأحوال، كانت العلاقة بين الإخوان والغرب سبباً في تكوين ما يسمى بـ«التنظيم الدولي للإخوان»، واستخدامه فيما بعد في تمرير مؤامرة الربيع العربي.
إلا أن شهر العسل بين الطرفين لم يدُم طويلاً، وبدأت رحلة السقوط الكبرى عبر ثلاث مراحل متتالية، كان أولها وأبرزها أحداث 11 سبتمبر لتعيد النظر في كل هذه الحسابات، مع زيادة المخاوف المجتمعية من الحركات الإسلامية، وعدم القدرة على التمييز ما بين الإسلام السياسي الإخواني والإسلام الجهادي، وردود الفعل الإخوانية المؤيدة لما حدث، إلا أن بعض من صناع القرار فضلوا الاحتواء، باعتبارهم فصيلاً سياسياً يمكن دمجه مجتمعياً بدلاً من دفعهم نحو العنف، لكن المؤكد أن هذه الدول بدأت تضع الجماعة ومنتسبيها تحت الميكروسكوب، وبدأت الرقابة الاقتصادية والأمنية تتزايد عليهم شيئاً فشيئاً.
ثم جاءت أحداث الربيع العربي لتشكل المرحلة الثانية في إنهاء هذا الرابط غير المنطقي ما بين الغرب والإخوان، ففي البداية بدا أن الجماعة تحقق صعوداً سياسياً غير مسبوق، خاصة بعد وصولها إلى الحكم في مصر، واعتقدت أطراف غربية أن الإخوان قد يتحولون إلى نموذج للإسلام السياسي المعتدل، القادر على التعايش مع الديمقراطية، إلا أن التطورات اللاحقة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، فرضت على جميع المجتمعات والحكومات الغربية إعادة تقييم شامل لكافة العلاقات مع الإخوان.
وكانت الأسباب الرئيسية لإعادة التقييم هي حالة الازدواجية التي رصدتها عواصم الغرب بين القول والفعل، والإحساس بعزل الجاليات الإسلامية في هذه الدول، نتيجة التضارب ما بين الهوية الدينية والوطنية، إضافة إلى تورط عدد كبير من مواطنيها في أحداث العنف في الشرق الأوسط.
ثم جاءت الضربة القاضية عبر صعود اليمين القومي في أوروبا وأمريكا، حيث استخدمت أحزاب اليمين ملف الإخوان والإسلام السياسي عموماً لتبرير سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة والجاليات المسلمة، وربطت بين التنظيمات الإسلامية ومخاطر تهدد الهوية الأوروبية وقيم الدولة الحديثة، وبدأت مخاطر الوجود الإخواني في أوروبا وأمريكا تتضح، أدركت هذه الدول أنها تستخدم في تنفيذ مخطط مجهول يستهدف بقاءها واستقرارها، وأن ما حدث في المنطقة العربية سيتكرر لا محالة لديها إن لم تتحرك، وتفك الارتباط مع هذا التنظيم الشيطاني.
وقد تنوعت القرارات الغربية الأخيرة ضد الإخوان ما بين الإقصاء والحظر، لكنها تعكس يقيناً ثابتاً بأنه لا فرق بين الجماعة الإرهابية وبين باقي التنظيمات الجهادية الأخرى، وأن الوعاء الفكري للجماعة هو ذاته الذي خرجت منه الأفكار التكفيرية التي يعتنقها الأصوليون الإسلاميون في جميع دول العالم، وأن مشروعها الدولي يمثل خطراً حقيقياً ليس فقط على الهوية الوطنية، بل على بقاء الدول واستقرارها أيضاً.
الدرس المستفاد من نهاية حلم الساعاتي في التمكين والأستاذية هو أن الخداع والتلاعب والازدواجية لا تبني حقائق، وأن خداع كل الناس كل الوقت مستحيل. العرش الذي بنته الجماعة لسنين طويلة على الماء قد انهار، وما بين الإقصاء والحظر الدولي انتهت أحلام الجماعة في أستاذية العالم، فقدت الجماعة داعميها في كل مكان، وأصبحت كالجثة التي فارقت الحياة، بعدما دخلت العناية المركزة بعد ثورة 30 يونيو، ولم يتبقَّ للتخلص منها نهائياً سوى مراسم الدفن فقط.