من «أبوزهرة» للعديسي: ما يتركه المبدعون بعد رحيلهم
هل هناك علاقة بجرائم الحرب التي تدور حولنا وتحصد المئات يوميا، وبين الرحيل المتواصل للأصدقاء والفنانين؟ العلاقة فى عقولنا المجهدة من كثرة ما نشهده: مارس إله الحرب يعيش أزهى أيامه، وملاك الموت مشغول للغاية.
■ ■
ليس هناك علاقة، بالتأكيد، بين الحروب التى تدور رحاها، ورحيل الفنانين المتوالى، ولكن العالم يرتبط بخيوط خفية علينا، والمصادفات جزء من قوانين الطبيعة، والمصائب لا تأتى فرادى، كما يقولون.
وقد بدأت أشعر بالخجل بالفعل من هذه المقدمة السوداوية الكئيبة، فى الوقت الذى يحتاج فيه القارئ بعض البهجة التى ترفع معنوياته.
وليس هناك ما يثير البهجة أكثر من أن نتذكر بعض أعمال المبدعين الراحلين، التى ستخلد أسماءهم لسنوات طويلة قادمة.
وكلما ذُكر اسم الراحل عبدالرحمن أبوزهرة قفز إلى ذهنى صوتان: المنولوج الفلسفى الطويل الذى يلقيه فى فيلم «أرض الخوف»، والذى يجسد معنى وروح ومزاج الفيلم، والشر المرح الذى ينبعث من صوته فى فيلم «الملك الأسد»، والذى صار جزءاً من ذاكرة الفيلم فى عقول أجيال من مشاهديه.
لكن عبدالرحمن أبوزهرة، بعمره الفنى المديد وأعماله الكثيرة جداً فى المسرح والتليفزيون والإذاعة والسينما، لا يمكن اختصارها فى عدة أدوار ومشاهد، هو جزء من كل عمل شارك فيه بدور ولو كان قصيراً، وجزء من هذه الأعمال معاً، التى تشكل تاريخ الدراما المصرية.
مثل محترفى الأدوار الثانوية والقصيرة، استيفان روستى، عبدالسلام النابلسى، زينات صدقى، عبدالفتاح القصرى، نجمة إبراهيم، عقيلة راتب، وبالطبع محمود المليجى، زكى رستم، وصلاح منصور، مارى منيب، فردوس محمد، وغيرهم: يمتد هؤلاء أفقياً عبر الشاشات المختلفة، ويشكلون حضوراً لا يقل عن أهل الحظ والحظوة من لاعبى الأدوار الرئيسية، وبشكلٍ ما، حين نرى الأمور من زاوية مختلفة، نجد أن حضورهم وتأثيرهم قد يكون أكبر من «نجوم» الأدوار الأولى.. أو بعضهم على الأقل. وبالفعل يصعب أن نتخيل السينما المصرية من دون الأسماء السابقة، ومنهم عبدالرحمن أبوزهرة، رغم أن بإمكاننا تخيلها دون أسماء بعض الذين أصبحوا نجوماً بفضل ملامحهم الوسيمة فقط.
ربما يكون المسرح قد صبغ عبدالرحمن أبوزهرة بأداء «خارجى» مرتفع النبرة وتعبيرات الوجه والجسد بشكلٍ لا يناسب السينما والتليفزيون أحياناً، خاصة حين كان يعمل مع مخرجين لا يعرفون كيف يستغلون مواهبه بشكل مقتصد وأكثر فاعلية. ويؤكد دوره فى «أرض الخوف» أن تأثير أدائه كان أقوى عندما ينخفض صوته وتقل حركته. ويمكن ملاحظة ذلك فى كثير من الأدوار التى لمع أداؤه فيها. صوته بالطبع كان الأكثر تميزاً فى أدواته، ثم ملامحه الاستثنائية التى يمكن أن تعكس منتهى الطيبة أو منتهى الشر بمجرد تقطيبة من حاجبيه وعينيه الصغيرتين.
هذا ممثل استثنائى فى تاريخ الدراما المصرية، يمكن أن نقول، رغم مسيرته التى تمتد لأكثر من سبعة عقود، وعشرات الأعمال فى مختلف الوسائط، أن إمكانياته لم تستغل بالكامل أو كما ينبغى، وليس هناك أفضل من أدواره المتميزة دليلاً على أنه كان يحمل أضعاف ما أتيح له أن يقدمه. وهذا، من أعجب المفارقات فى حياتنا الفنية.

■ ■
تعرفت على الشاعر والصحفى سيد العديسى فى صحيفة «الفجر»، ثم عملنا معاً فى صحيفة ومجلة «البوابة»، وقد لفت انتباهى تمكنه اللغوى وصوره الشعرية والقصصية المدهشة، وخفة دمه التى لا تغيب فى أحلك الظروف.. وقد شاركنا معاً فى صياغة صفحات أسبوعية كوميدية تجمع بين الرسم والكتابة، شارك فيها العديسى بحكايات مذهلة عن الجنوب الذى أتى منه، وأتى به، إلى القاهرة.
هذا موت له طعم آخر، أكثر مرارة وقسوة، يشبه الطعنة الغادرة من حيث لا يتوقع المرء.
كان سيد العديسى، رغم شكاواه الدائمة، ممتلئاً بالحياة والتفاؤل، يفرح لأقل مكسب، ويعتز بكل إنجاز يصل إليه، ولو كان صورة شعرية مبتكرة فى قصيدة حب.
فى أشعاره، كما فى حكاياته وروايته، ملك العديسى زاوية للنظر تخصه وحده، تحول الأسى إلى مادة للابتسام والقهقهة أحياناً: وكم ضحكنا على عنوان قصيدته: يقف احتراماً لامرأة تمر، أو لحكايته عن «أم خير» التى كانت تذهب إلى المدرسة يومياً لإرضاع ابنها الذى يبلغ العاشرة من العمر!
كان سيد العديسى قريباً من الموت ويتحدث عنه كثيراً، يحمل ديوانه الأول «كقاطع طريق» عنواناً فرعياً يقول: «أموت ليظل اسمها سراً».
مثل كثير من شعراء الجنوب، يحيى الطاهر عبدالله، وأمل دنقل، كان ابن موت. مع ذلك، فإن موته، بالتحديد، غادر ومربك، مثل زهرة مفعمة بالعطر والوعود تقتلع فجأة.
يتسلل الراحلون واحداً تلو الآخر، لكن أصواتهم وأطياف صورهم وعطر سيرهم يظلون معنا طويلاً.
لا يوجد مثل الإبداع خصماً نداً للموت والنسيان.
