عوني في محكمة الأسرة: حرمتني من ولادي 4 سنين وفهمتهم إني تخليت عنهم
عوني في محكمة الأسرة: حرمتني من ولادي 4 سنين وفهمتهم إني تخليت عنهم
كان عوني يقف في الممر الطويل لمحكمة الأسرة، وكأنه يحمل فوق كتفيه عمرًا كاملًا من الخسارات، لا مجرد ملف قضية رؤية، عيناه الغائرتان كانتا تدوران بين الوجوه في صمت، وذهنه مشغول بصورة التُقطت منذ سنوات، يوم كان البيت لا يزال بيتًا، والضحكات لم تتحول بعد إلى محاضر ومحاكم وأبواب موصدة، ولم يكن يتخيل أبدًا أن تنتهي حكايته هنا، أمام قاعة ينتظر الإذن بأن يرى طفلين من صلبه لساعة واحدة فقط، تحت إشراف موظف ونظرات الغرباء، فما القصة؟
قبل ثماني سنوات، التقى عوني م، صاحب الـ37 عامًا، للمرة الأولى بطليقته أم طفليه، داخل مكتبة صغيرة قريبة من مقر عمله، وعلى الرغم من هدوئها، فإنه انتبه لها، على حد حديثه، وتكررت المصادفات بعد ذلك بشكل غريب، حتى صار ينتظر مرورها كل صباح، ثم بدأت الكلمات العابرة، فالرسائل الطويلة، وكانت تشكو له قسوة الحياة داخل بيت أهلها، وهو يحدثها عن خوفه الدائم من الفشل، وعن أحلامه الصغيرة التي لا تتجاوز بيتًا دافئًا وزوجة تحبه وأطفالًا يملؤون حياته بالمعنى.
بداية التعارف والحب الأبدي
وحين صارحها بحبه، لم تتردد طويلًا، كانت ترى فيه رجلًا حقيقيًا رغم ضيق حاله، رجلًا بسيطًا لكنه صادق، يحمل قلبًا لا يشبه أحدًا، حسب حديثها له، ووافقت وتقدم لخطبتها بعد شهور قليلة، لكن أهلها رفضوه في البداية، كان موظفًا محدود الدخل، يسكن في شقة صغيرة، ولا يملك سيارة ولا حسابًا في البنك، لكنها تمسكت به بعنادها، وأقسمت أنها لا تريد من الدنيا سوى رجل يحبها، ورضخ أهلها في النهاية، وتم الزواج في حفل بسيط داخل قاعة متواضعة، وعلى الرغم من ذلك، تكفل بمصروفات الزواج والشقة، ويومها كان ينظر إليها بفخر حقيقي، يشعر أنه انتصر على الدنيا كلها لمجرد أنها أصبحت زوجته، حسب حديثه.
في بداية زواجهما، كانت الحياة شاقة لكنها مليئة بالدفء، لكن تبدل الحال بعد فترة قصيرة، وبعد فترة عرف أنه سيرزق منها بطفلهما الأول، فتغاضى عن كل شيء حتى يعيش ابنه في نعيم، وحصل على عمل آخر على سيارة أجرة بعد وظيفته حتى يكفي احتياجاتهما، وبكى يوم حمل ابنه بين ذراعيه لأول مرة، وشعر أن الله منحه سببًا جديدًا للحياة، صار يعمل لساعات أطول، يحمل فوق جسده إرهاق النهار والليل، فقط ليعود آخر اليوم ويرى أن ابنه لم يحتج إلى شيء، وفقًا لروايته.
وفي هذه الأثناء، بدأت الضغوط تتسلل إلى البيت ببطء، فالفتاة الهادئة التي كانت ترضى بالقليل، بدأت ترى أن حياتها تتآكل، وصديقاتها يسافرن ويشترين الأثاث الحديث والهواتف الجديدة، بينما هي تعيش حياة عادية، ثم تحول الضيق إلى تذمر، والتذمر إلى غضب دائم، ومع ولادة طفلتهما الثانية، تضاعفت المسؤوليات بشكل سحق عوني تمامًا، وصار يعود إلى البيت منهكًا، لا يملك طاقة للكلام، بينما تستقبله بقائمة جديدة من الاحتياجات والمشكلات والخناقات المؤجلة، على حد حديثه.
«أنا متجوزتش عشان أعيش الحياة دي، وكانت بتشوفني بحاول بكل طاقتي، وفي الأول افتكرت إنها بتمر باكتئاب، وعرضت عليها تزور طبيب، لكنها اتهمتني إني مطلعها مجنونة، وأنا كنت بحاول أساعدها، لدرجة إني خليت والدتي وشقيقتي يساعدوها في كل حاجة، البيت والأطفال، والكل يشهد على كده»، لكنه في الحقيقة كان يغرق أكثر كل يوم، فالخلافات الصغيرة تحولت إلى معارك يومية، وصوتهما صار أعلى من أي شيء، حتى الطعام فوق المائدة صار يؤكل في صمت ثقيل، وحين بدأت تقضي أيامًا طويلة في بيت أهلها، شعر لأول مرة أن زواجه يتفكك أمام عينيه، فطلب منها العودة لمنزلهما، فاختلقت شجارًا.
عوني: حاولت بكل جهدي وتخلت عني
فقرر عوني أن يقترض المال ليجدد الشقة، وعمل في وظيفة إضافية، وباع هاتفه ذات مرة ليسدد مصروفاتها، لكنه كان كلما بذل جهدًا، اكتشف أن المسافة بينهما تكبر أكثر. وفي ليلة انفجرت سارة في وجهه قائلة: «أنا تعبت من الفقر، تعبت من الحياة معاك، كل الناس عايشة حياتها، وإنت مخليني أقل من الكل»، كما أنها، على حد حديثه، أهانته بتشبيهاتها، وتركت المنزل، وبعد محاولات عدة، قالت إنه كان يهينها ويضربها بكل قسوة، وعندما تواجهَا طلبت الطلاق والحصول على حقوقها كاملة، فلم يتحمل الإهانة، على حد وصفه، فطلقها وأعطاها حقوقها، واتفق مع والديها على رؤية طفليه باستمرار وإرسال مصروفاتهما كلما احتاجا.
في البداية، ظن أنها مجرد أزمة عابرة، وأن الحب الذي جمعهما لسنوات لن ينتهي بهذه البساطة، ورغم الطلاق، حاول أن يبقى أبًا حاضرًا، وكان يزور طفليه كل أسبوع، يأخذهما إلى الحديقة، ويشتري لهما الحلوى والألعاب، ويعود آخر اليوم بقلب أخف لأنه رآهما ولو لساعات، لكن هذا لم يستمر طويلًا.
بدأت سارة تمنعه من رؤيتهما تدريجيًا، مرة بحجة المرض، ومرة بسبب الدراسة، ومرة لأنها لا تريد مشكلات، ثم أغلقت هاتفها تمامًا، وأصبح يذهب إلى المدرسة فقط ليلمح ابنه من بعيد أثناء الخروج، واستمر الحال 4 سنوات وهي ترفض رؤيتهما له، وغيرت مدرستهما، وأخبرته إحدى قريباتها أن الأم بدأت تزرع داخل عقل الطفلين فكرة أن والدهما تخلى عنهما، ثم تطور الأمر إلى الكذبة الأكثر قسوة: «أبوكم مات». وفي البداية رفض التصديق، قال إنها أم لا يمكن أن تفعل هذا بأطفالها، لكن الحقيقة ظهرت صادمة بعد أن عرف مكان مدرستهما الجديدة، وفي أحد الأيام، لمح طفليه صدفة بعد الدراسة، وركض نحوهما بقلب مشتعل، ونادى ابنه باسمه، فالتفت الطفل إليه بخوف شديد، ثم تشبث بيد شقيقته وهمس: «ماما قالت إن بابا مات.. إنت مين؟».
في تلك اللحظة، شعر أن العالم كله انهار فوق صدره، ولم يبكِ فقط لأنه حُرم من أطفاله، بل لأنه أدرك أن صورته داخل قلوبهم تُقتل ببطء، وأنه يتحول في ذاكرتهم إلى شبح أو كذبة، وقرر أن يقيم ضده دعوى رؤية بمحكمة الأسرة بالكيت كات، ثم دخل دوامة المحاكم، حتى الموظفون داخل القاعة تجمدت ملامحهم، بينما انهار عوني باكيًا كطفل صغير، واضعًا وجهه بين كفيه، لأنه أدرك أن المعركة لم تعد على حق رؤية طفليه، بل على حقه في أن يبقى أبًا داخل ذاكرة أولاده.