العالم يتسع للصين وأمريكا

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

شخصت أبصار العالم خلال اليومين الماضيين نحو العاصمة الصينية بكين. تابعت الأروقة السياسية والشعبية نتائج زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين على رأس وفد كبير من رجال الأعمال. لم يهتم الناس بالنتائج السياسية والاقتصادية للقمة فحسب، اهتموا أيضاً برصد سلوك الرئيس ترامب خلال الزيارة. تعود الناس على ترامب المستفز لضيوفه ومنهم ملك بريطانيا العظمى، بينما لاحظوا وداعته خلال زيارة الصين، بل كانت يد الرئيس الصيني شي جين بينج هي العليا في كل ما لاحظوه من لغة الجسد. اشتعلت منصات السوشيال ميديا في العالم بما في ذلك أمريكا والصين ترصد وتحلل مظاهر الزيارة وتصرفات أعضاء الوفدين. وكشف الشارع الرقمي في الصين عن مفاجأة من العيار الثقيل ببرود تام وسخرية لاذعة لم تتوقعها أجهزة المخابرات.

هبطت في بكين 7 طائرات نقل عسكرية من طراز C-17 محملة بأكثر من 500 طن من المعدات، تشمل سيارة ترامب المصفحة المسماة بالوحش. حملت الطائرات حتى مياه الشرب وكل اللوازم الشخصية، في مشهد وصفه مستخدمو منصة دووين (تيك توك الصين) بالحذر المبالغ فيه والعقلية الضيقة.

رغم البروتوكول الرسمي المنضبط، تحول ترامب على منصات ويبو وويتشار الصينية إلى شخصية كرتونية، حيث تصدرت ألقاب ساخرة مثل الرفيق ترامب وملك الرسوم الجمركية، المثير للصدمة أن السلطات الصينية سمحت بنشر مقاطع ذكاء اصطناعي تسخر من حرب ترامب على إيران وصورت الزيارة كاستعراض سياسي لضيف لا يفي بوعوده.

في تطور سياسي يعكس تحول العقلية الجمعية للصين، كشفت منصات سوهو وإيزي نت أن قائمة أكثر 20 موضوعاً رائجاً تخلو تماماً من أي وسم يخص الزيارة. الصحافة الأمريكية وصفت هذا الهدوء باللامبالاة النسبية التي تترجم تلاشي الهيبة الأمريكية بعد سنوات من الحصار التكنولوجي.

منصة جيهو قدمت تحليلاً يصف ترامب برجل الأعمال الذي يحمل دفتر حساباته، مشيرة إلى أن وجود إيلون ماسك وتيم كوك في الوفد يعكس حاجة واشنطن العملية للصين، بينما يرى الشباب الصيني على منصة بيليبيلي أن بكين غير ملزمة بتهيئة الأجواء لضيف ينقلب على كلمته بمجرد صعوده الطائرة.

ركزت وسائل الإعلام الأمريكية والصينية على استقرار العلاقات الاقتصادية الهشة، والتباين الواضح في لغة المكاسب والنفوذ السياسي بين الطرفين. انقسمت الرواية الإعلامية بين البلدين إلى توجهين متباينين، الإعلام الأمريكي ركز على الصفقات الاقتصادية والملفات الأمنية.

أبرزت القنوات والصحف الأمريكية الجانب التجاري والصفقات المرتقبة وركزت على لغة الأرقام. ونقلت تصريحات ترامب حول التوصل لصفقات رائعة، مثل نية الصين شراء 200 طائرة بوينج، وكميات ضخمة من النفط والمنتجات الزراعية الأمريكية.

كان من اللافت حشد ديناصورات التكنولوجيا، وسلطت التغطية الضوء على مرافقة كبار رؤساء الشركات الأمريكية لترامب، مثل إيلون ماسك، وتيم كوك، وجينسن هوانج رئيس إنفيديا بوصفه استعراضاً لقوة القطاع الخاص الأمريكي الساعي لفتح الأسواق. بينما وصفت سي إن إن القمة بأنها قمة جمود أو هدنة مؤقتة، مشيرة إلى أن الزيارة انتهت دون تحقيق اختراقات حقيقية ملموسة في ملفات شائكة مثل حرب إيران، والذكاء الاصطناعي، وتايوان.

نشرت الصحف عن تدابير أمنية صارمة واجهها الوفد الأمريكي، حيث اضطروا لترك هواتفهم الشخصية خوفاً من التجسس الإلكتروني الصيني، إلى جانب الكشف عن مشادات حادة خلف الكواليس بين عناصر الخدمة السرية الأمريكية والأمن الصيني أثناء التحضيرات. بينما أظهر الإعلام الصيني الندية واستعراض النفوذ السياسي، وتراجع مكانة ترامب، حيث أشارت تقارير (نقلتها أيضاً صحيفة نيويورك تايمز) إلى أن الإعلام الرسمي والخبراء الصينيين صوروا ترامب كزعيم يمر بموقف ضعيف محلياً بسبب ملفات داخلية وخارجية مثل حرب إيران، وأنه يحتاج للصين أكثر مما تحتاجه بكين. ولم يستقبل ترامب هذه المرة بصفة الضيف الإمبراطوري المبجل كما حدث في زيارته الأولى عام 2017.

ركزت وكالات الأنباء الصينية على تصريحات الرئيس شي جين بينج الحاسمة، وتحذيره لترامب من أن أي إساءة لمعالجة ملف تايوان ستضع العلاقات في خطر شديد، مع تذكيره بضرورة تجنب فخ ثوسيديدس الذي يقول بحتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة.

ركزت صحيفة الشعب اليومية على أن اللقاء يمثل إطار عمل طويل الأمد لاستقرار القوتين، وفرضت بكين سردية أن التعاون يجب أن يقوم على أساس الشراكة لا الخصومة وبشروط تضمن النفوذ الصيني.

وركز الإعلام الرقمي الصيني على تفاصيل بروتوكولية عكست الفخر القومي، مثل جولة شي مع ترامب في مجمع تشونجنانهاي (مقر قيادة الحزب الشيوعي)، ومظاهر إمساك شي بزمام المبادرة أثناء اللقاءات والمصافحات.

شغلت التفاصيل غير المعلنة وحركات الجسد لترامب وشي جين بينغ اهتمام المحللين وخبراء السلوك بشكل واسع خلال قمة بكين، إذ كشفت عن صراع صامت لإثبات النفوذ ومحاولة مستميتة من ترامب لكسب ود الزعيم الصيني لإبرام صفقات اقتصادية. قال الخبراء عن معركة المصافحة إنها أظهرت تراجع قبضة الهيمنة التي تعود ترامب أن يمارسها مع الرؤساء، فقد بادر ترامب بالخطوة الافتتاحية ومد يده أولاً وكفه مائل للأعلى من على بعد خطوات. يفسر الخبراء هذا السلوك بأنه لهفة مبكرة للسيطرة تتنافى بروتوكولياً مع كونه الضيف وليس المضيف. لكنه تخلى عن أسلوبه المتمثل في سحب القادة بقوة نحو جسده لزعزعة توازنهم. في المقابل، حافظ الرئيس شي على ذراع ثابتة تماماً وزاوية مستقيمة رافضاً التراجع أو الانصياع للشد. استمرت المصافحة المطولة بين الزعيمين لما يقرب 10 إلى 11 ثانية. منح ترامب نظيره الصيني خلالها 5 ربتات متتالية ومتعمدة على كف اليد، في حركة وصفت بأنها محاولة لتوطيد العلاقات وتأكيد التقارب النفسي.

رصدت خبيرة لغة الجسد البريطانية جودي جيمس ما أسمته بـ"ابتسامة الضفدع" على وجه ترامب عند التقاء عينيه بعيني شي. تعكس هذه الحركة حالة من الجدية القصوى وتخفي توتراً داخلياً شديداً. كما تخلل اللقاء انحناء طفيف من ترامب نحو شي مصحوباً بضم الشفتين وتضييق العينين. وفسر المحللون ذلك بأن ترامب يتعامل مع هذه الرحلة باعتبارها أخطر وأهم رحلاته الخارجية ولا يأخذها باستخفاف كعادته. بينما حافظ الرئيس الصيني على ملامحه الهادئة والمسترخية والابتسامات المقتضبة جداً. وغابت تماماً أجواء الفكاهة والترحيب الحار التي ظهر بها شي مع زعماء آخرين مثل فلاديمير بوتين.

وخلال جولتهما في معبد السماء ومجمع "تشونجنانهاي"، حرص الرئيسان على التموضع جنباً إلى جنب. تداول الزعيمان أخذ نصف خطوة للأمام بالتناوب دون وجود طرف مسيطر، مما أظهر الندية المطلقة واحترام القوة. التقطت الكاميرات مواقف أصر فيها ترامب صراحة بيده وإيماءاته على أن يتقدم الرئيس الصيني أولاً أثناء السير في الممرات الرسمية لعكس التقدير والاحترام.

أما استخدام أعضاء الوفد الأمريكي هواتف جديدة والتخلص من الهدايا في سلة المهملات، فهي مسألة تعود إلى بروتوكولات أمنية واستخباراتية صارمة ومخاوف أمريكية حادة من التجسس والاختراق السيبراني الصيني. هذه الإجراءات تطبق بصرامة على متن الطائرة الرئاسية. وهذه الهواتف لم تمنحها الصين للوفد، بل إن المخابرات والأمن الأمريكي (الخدمة السرية) هم من زودوا وفدهم بهواتف مؤقتة تعرف بـ"هواتف الحرق" بأرقام جديدة كلياً. كما أُجبر المسؤولون ورجال الأعمال والصحفيون المرافقون على ترك هواتفهم الشخصية في واشنطن، أو إغلاقها تماماً ووضعها داخل أكياس عزل مخصصة تمنع الإشارات اللاسلكية طوال فترة وجودهم في الصين. تنطلق الأجهزة الأمنية الأمريكية من فرضية ثابتة بأن أي جهاز يتصل بالشبكات أو حتى "الواي فاي" في الفنادق الصينية يعتبر مخترقاً ومراقباً بشكل فوري من قبل أنظمة الرقابة الصينية المتطورة. حتى إن الوفد لجأ أحياناً لكتابة الملاحظات الحساسة ورقياً لتفادي الاختراق الرقمي.
كما تلقى الصحفيون والمرافقون أمراً صارماً صدر للجميع قبل صعود سلم الطائرة الرئاسية بضرورة إلقاء كافة المتعلقات الصينية في حاوية قمامة وضعت أسفل السلم. شملت المواد التي جرى التخلص منها الهدايا التذكارية، وبطاقات الاعتماد الرسمية الصينية، والشارات، والدبابيس، وحتى الهواتف المؤقتة التي استخدمت في الرحلة. تخشى الأجهزة الأمريكية أن تحتوي تلك القطع والتذكارات البسيطة على شرائح تتبع دقيقة أو أجهزة تنصت وميكروفونات مخفية. وتمنع القوانين العسكرية الصارمة المنظمة لأمن الطائرة الرئاسية الأمريكية دخول أي مواد أو أجهزة غير مطهرة أو صينية الصنع استلمت على أرض الخصم، لضمان عدم نقل أي برمجيات خبيثة أو فيروسات سيبرانية إلى الأنظمة التكنولوجية الحساسة للطائرة.

ويرى المحلل السياسي الأشهر جون ميرشايمر بشأن زيارة ترامب للصين أن اليد العليا كانت لشي جين بينغ في هذه اللقاءات، حيث امتلك القدرة على تذكير ترامب بأن الحرب (التجارية/الاستراتيجية) كانت خطأ جسيماً من الجانب الأمريكي، مما جعل العالم يعاني. ويعتقد ميرشايمر أن الزيارة تأتي في سياق محاولة ترامب ترميم صورته كـ"صانع صفقات" ورجل اقتصاد بعد تعثرات في ملفات دولية أخرى، وليست زيارة لحسم الخلافات الهيكلية. ومن منظور ميرشايمر، فإن التصريحات الودية أو الصفقات التجارية المؤقتة لا تلغي الحقيقة الأساسية بأن أمريكا والصين في حالة منافسة أمنية شديدة. ويرى أن هذه الزيارات تندرج تحت إدارة الصراع وليس حله، مع تفوق صيني في فرض السردية بأن المصالح المشتركة تفرضها القوة الصينية الصاعدة، وليس التنازلات.

لم تحسم القمة أموراً تحتاج إلى الحسم، مثل الحرب على إيران، والموقف من تايوان، والصراع على قمة العالم، ويعتبر الخبراء هذه القمة قمة للتهدئة وليس لحل الأزمات، وعلى الأقل أثبتت أنه حتى الآن، يتسع العالم لكل من أمريكا والصين جنباً إلى جنب.