الصبي والمعلم.. دراما الحياة
«الشغلانة اللى مكنتش فيها صبى، عمرك ما تبقى فيها معلم».
والمقصود: مَن لم يعش تفاصيل المهنة ويتعب فيها ويتعلم أسرارها خطوة بخطوة، لن يستطيع أن يكون صاحب خبرة حقيقية فيها أو يقود الآخرين.
وهى جملة شعبية تحمل معنى مهماً: الخبرة لا تُشترى، بل تُكتسب بالممارسة والتجربة والصبر.
والجملة خالدة خرجت من رحم الدراما المصرية، لكنها تجاوزت حدود الشاشة لتصبح مرآة للحياة بكل تناقضاتها.
جملة كتبها الكاتب الكبير مصطفى محرم ضمن رائعته المقتبسة عن رواية الأديب الكبير إحسان عبدالقدوس «لن أعيش فى جلباب أبى»، ونطق بها بصوته المهيب الفنان الراحل عبدالرحمن أبوزهرة، فاستقرت فى الوجدان كأنها حكمة عمر لا مجرد سطر فى مسلسل.
ولهذا كان جميلاً أن تلتقطها جريدة الوطن خلال طرحها لأهم ما جسَّده وقاله الفنان الراحل، بمناسبة رحيله منذ عدة أيام، وأعادت وضعها فى بؤرة الضوء، لأن بعض الجمل لا تموت، بل تتجدد كلما ازدحم الزمن بالنفوس التى تعيش على أكتاف الآخرين.
نعم اختارت جريدة الوطن تلك الجملة بعناية، ووضعتها فى بؤرة الاهتمام، لا باعتبارها مجرد «إفيه» درامى عابر، بل لأنها كانت تعبيراً صادقاً عن شخصية «المعلم سردينة» التى جسَّدها ببراعة الفنان الراحل عبدالرحمن أبوزهرة.
فالجملة خرجت من قلب شخصية عركتها الحياة، واكتشفت مبكراً أن بعض البشر لا يجيدون البناء بقدر ما يتقنون الصعود فوق تعب الآخرين، وأن هناك من يعيش عمره كاملاً متكئاً على أكتاف غيره، دون أن يملك شجاعة الوقوف وحده.
فهناك من لا يعرف طريقاً للصعود إلا عبر سلّم صنعه غيره بعرقه وتعبه وسنوات عمره، أشخاص يتقنون فن الاقتراب من أصحاب الموهبة والنجاح، لا حباً فيهم، بل بحثاً عن دفء الأضواء المنعكسة على وجوههم.
يختبئون خلف الأسماء الكبيرة، ويتزينون بجهد لم يبذلوه، ثم يتحدثون وكأنهم شركاء فى الحلم بينما هم مجرد عابرين على هامش الحكاية.
المؤلم أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالتسلق، بل يحاولون إزاحة أصحاب الفضل أنفسهم، وكأن الشجرة التى احتموا بظلها يجب أن تُقتلع بعد أن يصلوا إلى القمة.
ينسون أن النجاح الحقيقى لا يُورَّث، ولا يُسرق، ولا يُصنع بالالتصاق المؤقت بأصحاب القيمة، بل يُبنى بالصبر والمعاناة والموهبة والعمل الشريف.
وفى الوسط الثقافى والفنى والإعلامى تحديداً تظهر هذه النماذج كثيراً، وجوه تتحرك بين الكواليس باحثة عن اسم كبير تتعلق به، أو موهبة حقيقية تتوارى خلفها، بينما أصحاب العطاء الحقيقى يدفعون وحدهم ثمن الاجتهاد والسهر والخذلان أحياناً.
لكن الزمن، مهما طال، يملك قدرة مذهلة على كشف الفارق بين صاحب الرسالة، ومن يعيش فقط على فتات المجد، فالأول يبقى أثره حتى لو غاب، أما الآخر فيسقط بمجرد أن تُسحب منه الأكتاف التى كان يقف فوقها.
لذلك تبقى القيمة الإنسانية الحقيقية فى أن يصنع الإنسان مكانته بيده، لا بأن يستعير قامته من الآخرين، وأن يكون امتداداً لنفسه، لا ظلاً باهتاً لمن حوله.
وربما لهذا السبب تحديداً بقيت تلك الجملة حيَّة حتى الآن.. لأنها لم تكن تخص شخصاً بعينه، بل كانت تصف مرضاً إنسانياً يتكرر فى كل زمان ومكان.
قيمة الدراما الحقيقية أنها لا تكتفى بعرض مشكلات الناس، بل تحول أوجاعهم وأسئلتهم اليومية إلى هدف ومعنى ورسالة.
أما الحوار الصادق فهو ذلك الذى ينجح فى التعبير عن الكلمات المختبئة داخل البشر، تلك التى يعجز الإنسان أحياناً عن البوح بها، أو يعجز عن العثور على مفردات تليق بحجم ألمه وارتباكه وانكساره.
فالدراما لم تكن يوماً مجرد وسيلة للترفيه أو قتل الوقت، بل كانت مرآة للحياة، تنقل نبض الشارع، وتحمل ملامح الناس البسطاء، وتعيد صياغة أفراحهم وخيباتهم فى صورة مشاهد وكلمات تبقى عالقة فى الوجدان.
كانت فكرة ومعنى وحالة إنسانية شديدة الصدق، لذلك شعر الناس دائماً أنها تشبههم، وتحكى عنهم، وتقترب من تفاصيلهم دون تزييف أو افتعال.
ولهذا بقيت الأعمال الحقيقية فى الذاكرة، لأن الواقع الذى خرجت منه كان صادقاً، ولأن الشخصيات لم تكن مصنوعة من الخيال وحده، بل من لحم الحياة وتعب الأيام. فكلما ازدادت الدراما قرباً من الإنسان، ازدادت قدرة على البقاء، وتحولت من مجرد عمل فنى إلى جزء من الذاكرة الإنسانية والوجدانية للمجتمع.