لمن ينتصر فيلم «أسد»؟
بمجرد أن تم طرح فيلم «أسد» لمحمد رمضان في دور العرض وحالة من الجدل انتابت النقاد في المواقع المختلفة وامتدت إلى السوشيال ميديا، الكل أجمع على براعة المخرج ومدير التصوير في تكوين الكادرات والمؤثرات البصرية وخلق صورة إبداعية ترتاح لها العين باستثناء المعارك الدموية، من المشهد الأول وأنت في حالة انجذاب لسرعة الإيقاع وتكوين المشاهد، ومع هذا اختلف الجميع على هدف العمل، البعض راح إلى تأويل الفيلم على أنه يدعم نظرية المركزية الأفريقية «الأفروسنتريك» الذين يحاولون نسب الحضارة المصرية إلى أفريقيا، وهو ما جعل المخرج محمد دياب ينفي هذا الاتهام، في حين ذهب البعض الآخر إلى تفسير الفيلم على أنه مداعبة للغرب ومحاكاة السينما الأمريكية حتى لو كان الهدف تزييف التاريخ، وراح فريق ثالث إلى إسقاطات لا يتحملها الفيلم نفسه. وبعيداً عن التأويلات والتفسيرات دعونا نتحدث عن الفيلم كعمل فني.
قصة الفيلم تدور حول طفل أفريقي يتم خطفه ليباع في مصر كعبد، وبعد 20 سنة تنشأ قصة حب مع ابنة مالكه ويتزوجا سراً ويقود ثورة ضد العبودية في مصر لدرجة تجعله يواجه الوالي وابنه، مخرج الفيلم محمد دياب قدَّم شكلاً شديد الاحترافية في تكوين الكادرات والصورة، حتى المعارك قادها باقتدار وفرض سيطرته على المجاميع وقدّم عدداً من النجوم بشكل مغاير للمألوف، أما نجوم العمل فقد اجتهدوا وتفجّرت طاقات إبداعية لدى عدد كبير منهم، على رأسهم محمد رمضان الذي قدّم شكلاً أقرب إلى دور على الزيبق في فيلم «الكنز» كبطل شعبي، في حين كانت لديّ مشكلة مع الفنانة رزان جمال في اللهجة التي تحدثت بها، فهي وُلدت وعاشت في مصر وتتحدث «مصرى مكسر» ولا أعلم إن كان هذا مقصوداً أو هذه طريقة أدائها، وكعادة ماجد الكدواني يمثل السهل الممتنع في دور الوالي، بضعة مشاهد أعطت للعمل رونقاً خاصاً، في حين قدّم أحمد داش دور نجل الوالي المحرك لأحداث الثورة، وأعتبر مفاجأة الفيلم علي قاسم الذي قدّم دور «يكن» على أفضل ما يكون.
أضعف ما في العمل القصة والسيناريو والحوار بعيداً عن الأحداث التاريخية، فنحن في منتصف القرن التاسع عشر وسط حياة العبودية التي تجعل العبد أقرب إلى الحيوان كما صوره العمل، كل الأبطال زنوج مع أن مصر كان بها عبيد من جميع أنحاء العالم، فهناك عبيد شركس وشوام وأوروبيون ومن آسيا الوسطى، كما أن شخوص العمل مشوّهة، بها أحداث غير مبررة، بداية من تسمية البطل بـ«أسد» لمجرد أنه مشاكس ولم نرَ مشاكسته ولم نرَ ما جعل السيدة تنجذب إلى عبد ملك لها لتحبه وتتزوجه، لم نعرف كيف لعبد تربى في قصر سيده إتقان فنون القتال، وغير منطقي أن تحرير العبيد جاء بسبب محاولة الوالي إبقاء ابنه في مصر وأن الابن يمد الثوار بالسلاح والعتاد ليكيد والده الوالي، هذا فضلاً عن أنك تعرف بالصدفة أن «يكن» محور الشر ابن إحدى العبيد وأن الذراع اليمنى للبطل شقيق زوجته من عبدة فأصبح عبداً.
في تاريخ السينما المصرية لم تظهر قضية العبودية إلا في مشهد واحد في فيلم «شفيقة ومتولي» عند إعدام الشخصية التي كان يجسدها يونس شلبي، ولكن في الواقع لم نرَ في مصر ولم نسمع عن ثورة للعبيد، خاصة في فترة 1860 والتي تولى فيها الحكم الوالي محمد سعيد باشا الذي أعطى امتياز حفر قناة السويس التي حفرها المصريون بالسخرة وليس بالعبيد، كما أن ابنيه الاثنين لم يسافرا إلى الخارج.
إذاً نحن أمام فيلم لا يمت للتاريخ بصلة، ولكنه عمل جيد صُنع بإتقان لمتعة السينما ليس أكثر.