غلاف الأهلي يختبر ضمير الجماهير

باعتباري شخصًا محايدًا، لا أشجع كرة القدم، ولا أفرح ولا أحزن لفوز أو خسارة، ولا أنحاز لأي نادي، أتابع المباريات بعين المتفرج الذي يبحث عن المعنى الثقافي والاجتماعي للعبة أكثر من النقاط والألقاب، فكُرة القدم بالنسبة لي ليست مجرد سباق على البطولات، إنما مرآة تعكس شغف الجماهير، وصراع القيم، ومدى نضج الخطاب الإعلامي الذي يرافق المنافسة.

وعندما وقع بصري على غلاف مجلة النادي الأهلي الأخيرة، شعرت بمزيج من الدهشة والاستغراب والانزعاج، فالغلاف، الذي يفترض أن يكون وسيلة للاحتفال بإنجازات الفريق أو لتعزيز الحميمية مع الجماهير، بدا وكأنه يحاول أن يقلل من قيمة الإنجاز الذي حققه نادي الزمالك في بطولة الدوري، مصحوبا بلمسة من السخرية التي لم تعد محتواة في إطار المزاح الرياضي أو النقد الموضوعي، كانت تلك اللحظة مناسبة للتوقف، وإعادة التفكير في معنى المنافسة والشهامة الرياضية.

لقد أدركت فورًا أن الخطاب الذي صدر من الغلاف يتجاوز مجرد الترويج للفريق، إنه خطاب يحمل أثرًا عاطفيًا مباشرًا على الجماهير، ويغذي التعصب بدل أن يعزز الاحترام، فالمتفرج المحايد يشعر هنا بالانقسام، من ناحية يرى براعة الفريق المنافس وجهده الذي أثمر البطولة، ومن ناحية أخرى يواجه خطابًا إعلاميًا يختزل الإنجاز في سخرية ضمنية، فقد كان شعورًا مركبًا بين الاستغراب والأسف على غياب المهنية، والوعي بأن الرياضة الكبرى يجب أن تكون مساحة للتقدير لا للتقليل من قيمة الآخرين.

الرياضة، كما أرى، مدرسة للقيم قبل أن تكون حلبة للفوز والخسارة، فالاحترام المتبادل بين الفرق والمنافسين هو ما يجعل الانتصارات حقيقة، ويجعل الخسارة تجربة لا تذوب فيها الكرامة، عندما نحتفل بفريقنا على حساب الآخرين، فإننا لا نرفع قيمة نادينا، لكن نضع أنفسنا في فخ الانحياز الذي يضر بالرياضة نفسها، ويجعل الجمهور أكثر انقسامًا وأكثر تعرضًا لمشاعر الغضب والشماتة.

ما يثير التأمل أيضًا هو أن المجلة، بوصفها منصة رسمية للنادي، تتحمل مسؤولية مضاعفة، فكل كلمة، وكل صورة على الغلاف، تصل إلى آلاف العقول والجماهير، وتساهم في تشكيل وعيهم الرياضي والاجتماعي، وعندما يتحول خطاب النشر من المنافسة الشريفة إلى السخرية من الإنجاز الآخر، نبدأ بسلسلة من الممارسات التي قد تبتعد عن روح المنافسة الرياضية، تحويل الاحتفال باللعبة إلى مناسبة للتعصب، واستثمار مشاعر الجماهير لصالح مصالح معنوية زائفة، وهو أمر يبعد الرياضة عن هدفها الأساسي ويقوض رسالتها الثقافية.

باعتقادي، الاحترام لا يقلل من الانتماء لأي فريق، لكنه يعزز الوعي الرياضي الحقيقي، يمكن لأي نادي أن يحتفل بفوزه، ويبرر خسارته، ويقدم مجلاته للجماهير دون أن يسخر من إنجازات المنافس، فالمنافسة الشريفة تعلمنا أن كل بطولة مكتسبة تعكس جهود اللاعبين والمدربين والإدارات، ولا يجوز أن تختزل في سخرية أو تقليل.

في النهاية، كرة القدم أكثر من مجرد نقاط وألقاب، إنها لعبة تعلمنا معنى الاحتراف، وتحترم الجهد، وتزرع في النفوس القيم قبل الشعارات، والانتصار الحقيقي يكمن في احترام المنافس والاعتراف بإنجازه، والتعامل مع الخسارة بروح شريفة، بعيدًا عن خطاب التعصب والسخرية.

ومهما كانت الانتماءات، سيظل المحايد يرى في الاحترام أعلى قيمة يمكن أن يحافظ عليها الرياضيون والإعلاميون على حد سواء.