تعريف مختلف للجنون!

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

قدّم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بالطبع قبل ظهور الطب النفسي الحديث وفهم كيمياء المخ، قدّم تعريفاً مختلفاً وصادماً للجنون، لأنه لم ينظر إليه كمرض عقلي فقط، بل كفكرة اجتماعية وتاريخية صنعها المجتمع والسلطة بقدر ما صنعها الطب، في كتابه الشهير تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي حاول «فوكو» أن يجيب عن سؤال: هل المجنون مجنون فعلاً؟ أم أن المجتمع هو الذي قرّر أنه مجنون لأنه مختلف أو مزعج أو خارج عن النظام؟، «فوكو» رأى أن مفهوم الجنون تغيّر عبر العصور، ففي العصور الوسطى كان المجنون أحياناً يُنظر إليه كشخص يحمل حكمة غامضة أو صوتاً من عالم آخر، وكان يعيش داخل المجتمع.

لكن مع صعود الدولة الحديثة والعقلانية الأوروبية في القرن السابع عشر، بدأ ما سمّاه فوكو «الحبس الكبير»، حيث جرى عزل المجانين والفقراء والمنحرفين والعاطلين في مؤسسات مغلقة. هنا لم يعد الهدف الفهم، بل الضبط والسيطرة، من وجهة نظره، الطب النفسي لم يكن دائماً مشروعاً إنسانياً خالصاً، بل ارتبط أيضاً بسلطة المجتمع في تعريف ما هو عقلاني وما هو شاذ، فالجنون عند «فوكو» ليس مجرد خلل في الدماغ، بل هو أيضاً نتيجة لصراع بين الفرد والمعايير الاجتماعية السائدة، المجتمع يضع حدود المعقول، ومن يتجاوزها قد يُوسَم بالجنون، لهذا كان «فوكو» يشكك في الفاصل الحاد بين العاقل والمجنون، كان يرى أن هذا الخط ليس علمياً خالصاً، بل تاريخي وثقافي وسياسي، وما يُعتبر جنوناً في عصر قد يُعتبر إبداعاً أو اختلافاً في عصر آخر، أفكاره أثّرت بقوة على النقد الثقافي والطب النفسي وعلم الاجتماع، لكنها أيضاً أثارت جدلاً كبيراً. فبعض الأطباء اتهموه بأنه يهوّن من حقيقة الأمراض النفسية البيولوجية، بينما رأى آخرون أنه كشف كيف يمكن للمؤسسات أن تستخدم «العلم» أحياناً كأداة للهيمنة، ومن أشهر أفكاره القريبة من هذا المعنى أن الجنون هو غياب العمل، وكأنه يقول إن المجتمع الحديث لا يغفر لمن يخرج عن إيقاع الإنتاج والانضباط والطاعة.

كما ارتبط «فوكو» بفكرة أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع المباشر، بل عبر تعريف الطبيعي وغير الطبيعي، السوي والمنحرف، العاقل والمجنون. ولهذا أصبح الجنون عنده مرآة تكشف كيف يفكر المجتمع في نفسه أكثر مما تكشف حقيقة المرض نفسه.