«سكنة» مُعمرة لبنانية انتهت حياتها في النزوح.. وحفيدها: آخر شيء حكت عنه بيتها وأرضها
«سكنة» مُعمرة لبنانية انتهت حياتها في النزوح.. وحفيدها: آخر شيء حكت عنه بيتها وأرضها
لم تكن الحاجة سكنة قشمر، التي يعرفها جيرانها بـ«أم علي نجدي» مجرد شاهدة على قرن كامل من التحولات والحروب التي عاشتها البلاد، بل كانت جزءاً حياً من ذاكرة الجنوب اللبناني نفسه، فالمعمّرة البالغة من العمر 103 أعوام، رحلت بعد حياة طويلة تشبّثت فيها بضيعتها وأرضها قبل أن تُجبرها الصواريخ الإسرائيلية في أيامها الأخيرة على مغادرة منزلها نحو غربة لم تألفها يوماً.
لم يكن نزوح «سكنة» من مسقط رأسها في بلدة صريفا الجنوبية والتي عاشت فيها كامل حياتها مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولكنه كان اقتلاعاً من الذاكرة نفسها، تحفظ أسماء أبنائها وأحفادهم. تعرف مواسم الحصاد رغم تقدمها في السن، إذ لم تكن حياتها بعيدة عن الأرض، بحسب حديث محمد، أحد أحفادها -اسم مستعار- في حديثه لـ«الوطن»: «كانت هي والأرض امتداداً لبعض».
لكن السنوات الأخيرة حملت ما لم يكن في الحسبان، ومع تصاعد عدوان الاحتلال الأخير على الجنوب وما تبعه من مخاطر ونزوح متكرر، وجدت الحاجة المسنّة نفسها أمام تجربة قاسية لم تعرفها من قبل، حيث غادرت المكان الذي لم تفارقه منذ ولادتها، تصف أسرتها مشهد خروجها بأنها كانت تتفحص بعينيها جدران منزلها وأشجار حديقتها قبل أن تبتعد عنهم بخطوات ثقيلة تستند على ذراع أحد أقاربها، بينما كانت أصوات الغارات والانفجارات فوق رأسها لا تتوقف، وفي مكان النزوح لم تستطع «سكنة» التأقلم مع الإيقاع الجديد للحياة، إذ كانت تحدث مَن حولها بإحساسها المستمر بأنها انقطعت عن نفسها وذاكرتها، وبعد أسابيع قليلة تراجع وضعها الصحى تدريجياً: «كان عندها حنين وقلق طوال الوقت وتفاقم شعورها بالابتعاد القسري والحزن حتى صارت تتكلم بصعوبة وآخر شىء كانت بتفكر فيه وحكت عنه هو بيتها وأرضها»، وتحكى عائلتها أن الأسابيع القليلة التي عاشتها في الغربة كانت أقسى عليها من سنوات العمر نفسها: «كانت هاي أول مرة بتنزح فيها من بلدتها، رغم أنها بقيت في منزلها في كل الحروب السابقة، ولكن هذه المرة الوضع كان أكثر صعوبة، وما تحملت وسلمت روحها لخالقها»، ورغم الظروف الخطرة عاد جثمان «سكنة» ليواري الثرى في «صريفا» كما أوصت: «رحلت متل ما عاشت مرتبطة بالأرض»