احتراق تنظيم الإخوان.. من أزمات التفكك إلى تداعيات الوصم الدولي بالإرهاب

كتب: أحمد عاطف

احتراق تنظيم الإخوان.. من أزمات التفكك إلى تداعيات الوصم الدولي بالإرهاب

احتراق تنظيم الإخوان.. من أزمات التفكك إلى تداعيات الوصم الدولي بالإرهاب

تصوير: عدنان عماد

نظمت جريدة «الوطن» بالتعاون مع المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، فعاليات «الندوة الاستراتيجية التاسعة» تحت عنوان: «بين أزمات التفكك وتداعيات الوصم الدولي بالإرهاب.. احتراق تنظيم الإخوان المسلمين»، وذلك بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي والفكر السياسي والحركات الأيديولوجية.

ما تقوم به المؤسسات الصحفية والإعلاميون والباحثون المناهضون للفكر المتطرف يمثل خط دفاع رئيسياً في معركة الوعي

وناقشت الندوة عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها: التحولات البنيوية داخل التنظيم الدولي للإخوان، وأسباب تراجع النفوذ الإخواني إقليمياً ودولياً، وتأثير التصنيف والوصم بالإرهاب على شبكات الجماعة وتحركاتها، ومستقبل خطاب الإسلام السياسي بعد إخفاقات الجماعة، إلى جانب سيناريوهات إعادة التموضع ومحاولات البقاء في البيئة الدولية الجديدة، فضلاً عن مناقشة الظل العسكري للجماعة والعلاقات الأمنية المتشابكة، وإشكالية الدور الوظيفي للإخوان وفرص النجاة.

عمار

مصطفى عمار: المعركة مع الإخوان ممتدة لأننا نحارب «أفكاراً» تجيد العيش في الأنفاق الداخلية والعمل في الظلام داخل المجتمعات

في مستهل الندوة رحب الكاتب الصحفي مصطفى عمار، رئيس تحرير جريدة «الوطن»، بالحضور، وبدأ حديثه بالتأكيد على أن جماعة الإخوان تمتلك قدرة كبيرة على التكيف والعمل في الظل، أكثر بكثير من قدرتها على الظهور العلني أو إدارة حضور مباشر داخل المجال العام، مشيراً إلى أن التنظيم، وعلى مدار ما يقرب من قرن منذ تأسيسه عام 1928، اعتاد التحرك وفق آليات تقوم على إعادة التموضع والتغلغل الهادئ داخل المجتمعات كلما تعرض لضغوط أو حصار سياسي وأمني.

وأوضح «عمار» أن كل موجة مواجهة أو تضييق تدفع الجماعة إلى الانكماش مؤقتاً وإعادة بناء شبكاتها بصورة أكثر تعقيداً وسرية، عبر ما وصفه بـ«الأنفاق الداخلية» داخل المجتمعات، سواء من خلال العلاقات الاجتماعية أو الدوائر الفكرية أو البيئات التعليمية والمهنية، بما يسمح لها بالحفاظ على وجود ممتد وقابل لإعادة التنشيط في أي لحظة مواتية.

واستشهد رئيس تحرير جريدة «الوطن» بواقعة وفاة أحد أساتذة الجامعة مؤخراً، والتي كشفت - من خلال حجم التفاعل الواسع من منصات التنظيم ودوائره المختلفة - طبيعة ارتباطه الفكري والتنظيمي بجماعة الإخوان، رغم أنه ظل لسنوات يمارس دوره الأكاديمي بصورة طبيعية داخل المؤسسة التعليمية دون أن يلفت الانتباه.

وتساءل «عمار» عن حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه مثل هذه النماذج داخل الأوساط الطلابية والأكاديمية على مدار سنوات طويلة، مؤكداً أن خطورة العناصر الكامنة لا ترتبط فقط بوجودها الفردي، وإنما بقدرتها على التأثير التراكمي في تشكيل الوعي داخل الأجيال الجديدة، خصوصاً في المؤسسات التعليمية والثقافية. مؤكداً أن المواجهة مع جماعة الإخوان ليست مواجهة أمنية فقط، وإنما صراع طويل مع أفكار عابرة للأجيال، مشيراً إلى أن التنظيمات العقائدية تمتلك قدرة كبيرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها كلما وجدت بيئات تعاني من الفقر أو الجهل أو الاضطراب الفكري. وأضاف أن الأفكار المتطرفة بطبيعتها تملك قابلية للاستمرار والانتشار إذا لم تواجَه بمشروع وعي متكامل يقوم على التنوير والتعليم وبناء المناعة المجتمعية.

وأشار «عمار» إلى أن الإعلام المصري خاض منذ عام 2013 معركة واسعة في مواجهة التنظيم، عبر مئات الدراسات والبرامج والمواد الصحفية التي سعت إلى كشف طبيعة الجماعة وأفكارها وشبكاتها، مؤكداً أن هذه الجهود أسهمت في تقويض نفوذ التنظيم وإضعاف حضوره الشعبي، لكنها لم تنهِ المعركة بشكل كامل، لأن التنظيم انتقل بصورة متزايدة إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

لفت إلى وجود فجوة ضخمة في حجم الإنفاق والإمكانات بين الإعلام الوطني والمنصات التابعة للتنظيم، موضحاً أن جماعة الإخوان ضخت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات في بناء منظومات إعلامية ورقمية عابرة للحدود، تستهدف نشر الشائعات، والتأثير على الرأي العام، ومهاجمة الشخصيات العامة والكتاب والصحفيين المناهضين لها، عبر ما يُعرف بـ«اللجان الإلكترونية» أو «الذباب الإلكتروني». وأضاف أن هذه المنصات تعتمد على حملات منظمة لإرباك المجال العام، وصناعة حالة من التشكيك المستمر في مؤسسات الدولة والثوابت الوطنية.

وأكد «عمار» أن ما تقوم به المؤسسات الصحفية الوطنية والإعلاميون والباحثون المناهضون للفكر المتطرف يمثل خط دفاع رئيسياً في معركة الوعي، مشدداً على أن الحفاظ على الرواية الوطنية وكشف أساليب الجماعة في التضليل الإعلامي بات ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي مواجهة أمنية أو سياسية.

واختتم الكاتب الصحفي مصطفى عمار حديثه بالتأكيد على أن الرهان على انتهاء الجماعة بشكل نهائي قد يكون رهاناً غير دقيق، لأن التنظيمات الوظيفية يمكن إعادة توظيفها دولياً وفق تغير المصالح والتحولات السياسية، مشيراً إلى أن المواقف الغربية تجاه الإخوان ظلت تاريخياً مرتبطة بالحسابات الاستراتيجية أكثر من ارتباطها بالمواقف المبدئية، وهو ما يفرض استمرار حالة اليقظة الفكرية والإعلامية والمجتمعية في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود وأدواتها المختلفة.

فيروس فكري وتنظيمي

وفي كلمته قال الكاتب الصحفي إيهاب عمر، الخبير بالمنتدى الاستراتيجي، الذي تولى إدارة الندوة، إن الموضوع الذي نتناوله اليوم يفتح أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في تاريخ المنطقة العربية، والمتعلق بصعود تيارات الإسلام السياسي وما تركته من آثار عميقة على بنية الدولة الوطنية العربية، والاستقرار الإقليمي، ومسارات التنمية والتحديث. وأضاف أن المنطقة العربية تعرضت على مدار عقود لما يشبه «الفيروس» الفكري والتنظيمي الذي استهدف تفكيك الدولة الوطنية من الداخل، عبر توظيف الدين في الصراع السياسي، مشيراً إلى أن الجذور الأولى لهذه الظاهرة ارتبطت بمشروعات استعمارية غربية سعت منذ قرنين تقريباً إلى استخدام الحركات العقائدية والتنظيمات العابرة للحدود كأدوات لإعادة تشكيل المجتمعات والتحكم في خرائط النفوذ داخل الشرق الأوسط.

تراجع المساحات أمام الجماعة في الغرب لا يتعلق فقط بالشق الأمني ويمتد إلى التأثير على مصادر التمويل والدعم والتحرك السياسي والإعلامي

وأوضح أن التاريخ يكشف أن ظاهرة توظيف الدين سياسياً لم تبدأ مع تأسيس جماعة الإخوان عام 1928، وإنما سبقتها حركات وتنظيمات ظهرت فى القارة الآسيوية، اعتمدت على المزج بين الخطاب الدينى والأهداف السياسية، بما يخدم مصالح القوى الكبرى آنذاك. ومع تأسيس جماعة الإخوان، انتقلت الفكرة إلى مرحلة أكثر تنظيماً واحترافية، عبر بناء شبكة ممتدة ذات طابع أيديولوجى وتنظيمى عابر للحدود، نجحت فى اختراق مجتمعات عدة تحت شعارات دينية واجتماعية.

وأكد إيهاب عمر أن جماعة الإخوان لم تتحرك يوماً باعتبارها مجرد حركة دعوية أو سياسية تقليدية، وإنما باعتبارها مشروعاً وظيفياً ارتبط على مدار تاريخه بحسابات دولية وإقليمية معقدة، واستُخدم فى كثير من الأحيان كورقة ضغط وأداة لإعادة هندسة التوازنات داخل المنطقة. كما لفت إلى أن التنظيمات المتطرفة التى خرجت من رحم الإخوان أو تأثرت بأفكارها، أسهمت بصورة مباشرة فى إنتاج موجات العنف والفوضى التى شهدتها عدة دول عربية خلال العقود الأخيرة، وهو ما يجعل مناقشة الظاهرة ضرورة فكرية وأمنية وسياسية فى توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة.

أبوشامة

محمد مصطفى أبوشامة: ما قامت به الدولة المصرية بعد 2013 أسس لمرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية والدولية

وتحدث الكاتب الصحفي محمد أبوشامة، مدير المنتدى الاستراتيجي، قائلاً: إن التحولات الأخيرة في المواقف الغربية، والأوروبية والأمريكية تحديداً، تجاه جماعة الإخوان تمثل تطوراً بالغ الأهمية في مسار التعامل الدولي مع التنظيم، مشيراً إلى أن الضغوط والحصار المتزايدين المفروضين على الجماعة خلال العامين الأخيرين ستكون لهما انعكاسات مؤثرة على بنيتها التنظيمية وشبكاتها المالية واللوجيستية الممتدة في عدد من الدول.

وأوضح «أبوشامة» أن تراجع المساحات المتاحة أمام الجماعة في الغرب لا يتعلق فقط بالشق الأمني، وإنما يمتد إلى التأثير على مصادر التمويل والدعم والتحرك السياسي والإعلامي، وهو ما يضع التنظيم أمام تحديات غير مسبوقة مقارنة بالمراحل السابقة التي كان يتمتع خلالها بهوامش حركة واسعة داخل عدد من العواصم الغربية.

وتابع «أبوشامة» قائلاً إن المرحلة الممتدة من 2011 إلى 2013 شكلت نقطة تحول مركزية في علاقة المنطقة العربية بجماعة الإخوان، موضحاً أنه بحكم عمله آنذاك في الصحافة الدولية، كان قريباً من متابعة ردود الفعل داخل عدد من العواصم العربية، خاصة الخليجية، تجاه ما جرى في مصر. وأضاف أن المواجهة المصرية مع الجماعة مثّلت «زلزالاً سياسياً وفكرياً» انعكست آثاره على مجمل المواقف العربية من التنظيم، وكشفت حجم تغلغله داخل عدد من الدول ومؤسساتها خلال العقود السابقة.

وأكد أن ما قامت به الدولة المصرية بعد 2013 أسس لمرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية مع الجماعة، بدأت بكشف طبيعتها أمام الرأي العام، مروراً بتفكيك شبكاتها الاقتصادية والتنظيمية، وصولاً إلى خلق حالة من الانكشاف الشعبي والسياسي غير المسبوق للتنظيم بعد تجربة وصوله إلى الحكم وسقوطه عقب احتجاجات جماهيرية واسعة.

ولفت «أبوشامة» إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في «الدور الوظيفي» للجماعة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة مع تصاعد توجهات أكثر تشدداً تجاه التنظيمات العقائدية في بعض الدوائر الغربية. وأشار إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت قد أبدت منذ ولايته الأولى ميلاً لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الجماعة، وإن تعثرت بعض هذه المحاولات سابقاً لأسباب قانونية وسياسية، مضيفاً أن هناك مؤشرات على تجدد هذا التوجه في المرحلة الحالية بصورة أكثر وضوحاً.

وأكد أن دوافع التحركات الأمريكية تجاه الإخوان لا ترتبط فقط بملفات الشرق الأوسط، وإنما أيضاً بالدور الذي لعبته الجماعة داخل المجتمع الأمريكي عبر عقود، حيث نجحت في بناء شبكات نفوذ اجتماعي وسياسي داخل بعض الولايات، وقدّمت نفسها كوسيط أو ممثل لقطاعات من المسلمين داخل الولايات المتحدة، بما منحها قدرة على التأثير في بعض الملفات الانتخابية والسياسية.

وأضاف أن الجماعة استطاعت تاريخياً توظيف العمل الاجتماعي والخدمي لاستقطاب المهاجرين الجدد وبناء كتل تصويتية وشبكات ولاء داخل المجتمعات الغربية، وهو ما منحها مساحة نفوذ استمرت لسنوات، قبل أن تبدأ بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة في إعادة تقييم هذا الدور خلال المرحلة الأخيرة، مع تزايد المخاوف من تأثير التنظيمات العقائدية على التماسك المجتمعي والأمن الداخلي.

واختتم الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبوشامة حديثه بالتأكيد على أن حالة الانكشاف التي تعيشها جماعة الإخوان حالياً، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو داخل المنطقة العربية، تعكس تراجعاً كبيراً في قدرتها على الحفاظ على دورها التقليدي، خاصة بعد فقدانها الحاضنة الشعبية والسياسية في مصر، وهي الدولة التي مثلت تاريخياً مركز ثقل الجماعة - بلد المنشأ - ومنطلقها الرئيسي نحو الإقليم والعالم.

الباز

د. محمد الباز: الترويج لفكرة أن «الجماعة انتهت»هو حيلة دفاعية تخدم التنظيم وتخلق حالة من التراخي في مواجهته

وقال الكاتب الصحفي د.محمد الباز، رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة الدستور، إن الحديث عن جماعة الإخوان والتنظيمات المرتبطة بها يحتاج إلى قدر أكبر من التركيز والاستمرارية، مشيراً إلى أن أحد أخطر أساليب الجماعة يتمثل في دفع المجتمع والنخب السياسية والإعلامية إلى حالة من الإنهاك أو التجاهل المتعمد، عبر الترويج لفكرة أن الجماعة انتهت ولم تعد موجودة، وهي الفكرة التي وصفها بأنها «حيلة دفاعية» تخدم التنظيم أكثر مما تضره، لأنها تخلق حالة من التراخي تجاه خطر لا يزال قائماً ويتخذ أشكالاً جديدة.

وأوضح أن السؤال المتعلق بمدى وجود التنظيم داخل مصر لا يمكن التعامل معه ببساطة أو بخفة، لأن الجماعة - رغم الضربات التي تلقتها - لا تزال تحتفظ بامتدادات تنظيمية وبشرية وفكرية، سواء من خلال العناصر الموجودة داخل البلاد أو عبر شبكاتها الخارجية ومنصاتها الرقمية. وأضاف أن جزءاً من خطورة التنظيم يكمن في قدرته التاريخية على العمل في حالة «الكمون»، والانتقال من البنية التنظيمية التقليدية إلى أنماط أكثر مرونة تعتمد على التواصل الإلكتروني والفضاء الرقمي بدلاً من الاجتماعات المباشرة والهياكل الكلاسيكية المعروفة.

وأشار «الباز» إلى أن وجود عناصر ذات ارتباطات فكرية أو تنظيمية داخل بعض المؤسسات لا يعني بالضرورة امتلاك الجماعة قدرة على العودة السياسية، لكنه يعكس استمرار حضورها ومحاولتها الحفاظ على دوائر التأثير والتجنيد، مؤكداً أن التنظيم لم يتوقف عن العمل وإنما غيّر فقط أدواته وآلياته بما يتناسب مع التحولات الأمنية والتكنولوجية التي شهدتها السنوات الأخيرة.

وأضاف أن جماعة الإخوان في جوهرها «جماعة وظيفية» ارتبط ظهورها تاريخياً بظروف سياسية هدفت إلى تفكيك حالة التماسك الوطني التي أعقبت ثورة 1919، مشيراً إلى أن الجماعة استفادت منذ نشأتها من فكرة توظيف الدين في المجال السياسي لإعادة تشكيل المجال العام وإحداث انقسامات داخل المجتمع. ولفت إلى أن العلاقة بين التنظيم وبعض القوى الدولية لم تكن قائمة على التقارب الفكري، وإنما على تبادل المصالح واستخدام الجماعة كأداة يمكن توظيفها وفقاً للمتغيرات السياسية والاستراتيجية.

وأكد «الباز» أن الرهان على انتهاء الجماعة بشكل كامل أو تلقائي يمثل خطأ استراتيجياً، لأن التنظيمات العقائدية لا تختفي بسهولة، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة كلما توافرت لها بيئات مناسبة أو دعم خارجي أو حالة فراغ فكري ومجتمعي. كما شدد على أن المواقف الغربية تجاه هذه التنظيمات تحكمها اعتبارات المصلحة السياسية أكثر من الاعتبارات الأخلاقية أو الفكرية، وهو ما يفسر التباين المستمر في طريقة التعامل معها من مرحلة إلى أخرى.

وأكد أن ما جرى في 30 يونيو مثّل نقطة فاصلة في تاريخ الجماعة، لأن الصدام هذه المرة لم يكن مع السلطة فقط كما حدث في مراحل سابقة، بل مع قطاع واسع من المجتمع، وفقدان الجماعة لحاضنتها الشعبية كان الضربة الأشد تأثيراً عليها.

وحذر «الباز» من خطورة المعركة الدائرة حالياً على منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن الجماعة باتت تركز بصورة مكثفة على إدارة «حرب سرديات» تقوم على التشكيك في الرواية الوطنية، وإغراق الفضاء الرقمي بمحتوى دعائي ولجان إلكترونية تستهدف التأثير على وعي الشباب وصناعة حالة من الإحباط وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

وشدد الدكتور محمد الباز على أن المواجهة الحقيقية لا تقتصر على الحلول الأمنية فقط، وإنما تعتمد بالأساس على بناء الوعي الوطني وتطوير خطاب إعلامي وثقافي قادر على تقديم الرواية المصرية للأجيال الجديدة التي لم تعاصر أحداث السنوات الماضية، مؤكداً أن معركة الوعي باتت اليوم أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة الوطنية في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود ومحاولات إعادة تدوير أفكار الإسلام السياسي بصيغ جديدة.

العكارى

د. طارق العكاري: ضربة مصر للإخوان في 30 يونيو أعادتهم 300 سنة إلى الوراء والتنظيم في طريقه للنهاية التامة

وأوضح العميد د.طارق العكاري، الخبير العسكري وعضو مجلس الشيوخ، أن فهم طبيعة تنظيم الإخوان أو غيره من التنظيمات المسلحة والمتطرفة يتطلب دراسة الأنماط والبرامج الحاكمة لهذه الكيانات، وليس الاكتفاء بالشعارات المعلنة، مؤكداً أن القاسم المشترك بينها جميعاً يتمثل في السعي إلى بناء كيان موازٍ للدولة، ينتزع تدريجياً وظائفها السيادية والأمنية والاقتصادية. وأضاف أن الفارق بين النماذج المختلفة يكمن فقط في أدوات التنفيذ؛ فبعضها يعتمد على الاختراق التدريجي للمؤسسات - كما فعل الإخوان - بينما تلجأ تنظيمات أخرى مثل «طالبان» إلى السيطرة العسكرية المباشرة، في حين يقدم «حزب الله» نموذج «الدولة داخل الدولة» عبر امتلاك بنية أمنية وعسكرية واقتصادية موازية للدولة اللبنانية، مشيراً إلى أن التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط تبدأ عادة من نقطة التمويل الخارجي، حيث ترتبط مصادر التمويل بطبيعة الأدوار المطلوب تنفيذها سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وأوضح أن هذه التنظيمات لا تتحرك فقط في المجال العقائدي أو العسكري، بل تبني تدريجياً اقتصاداً موازياً يقوم على شبكات تشغيل وتمويل مغلقة، تستفيد من الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة لتوسيع نفوذها داخل المجتمعات. وأضاف أن هذه الكيانات تحاول احتكار فرص العمل والخدمات داخل البيئات الهشة، بما يخلق حالة من التبعية الاقتصادية والاجتماعية، ويمنح التنظيم قدرة على التجنيد والحشد والسيطرة.

وأكد «العكاري» أن أخطر ما في هذه التنظيمات هو قدرتها على تأسيس ما يُعرف بـ«اقتصاد الظل»، الذي يعمل خارج رقابة الدولة ومؤسساتها المالية، من خلال شبكات غسيل الأموال والتهريب والتجارة غير الرسمية، بما يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وخلق بنية مالية موازية لا تخضع للرقابة الضريبية أو المصرفية. ولفت إلى أن هذا النموذج يتكرر بصور مختلفة لدى عدد من التنظيمات، سواء عبر تجارة المخدرات والتهريب كما في بعض النماذج المسلحة، أو عبر شبكات الصرافة والتحويلات العابرة للحدود، أو من خلال واجهات خيرية واستثمارية وإعلامية تُستخدم كغطاء للتمويل والتحرك التنظيمي.

وتابع أن جماعة الإخوان، رغم محاولاتها الظهور كتنظيم سياسي أو دعوي، امتلكت عبر تاريخها أذرعاً وتنظيمات مارست العنف بشكل مباشر، مستشهداً بارتباط بعض الفصائل المسلحة المتطرفة بالتنظيم فكرياً وتنظيمياً. وأضاف أن فكرة «الدولة الموازية» تظل الهدف النهائي لهذه الجماعات، عبر امتلاك أدوات القوة والتمويل والتأثير المجتمعي بصورة تنتزع تدريجياً احتكار الدولة للقوة والسيادة، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل بداية تآكل الدولة الوطنية وانهيار مؤسساتها.

ولفت إلى أن التنظيم شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في بنيته التنظيمية، إذ تراجع الاعتماد على الهياكل التقليدية المغلقة والأسر التنظيمية، مقابل تصاعد الاعتماد على الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية وشبكات التواصل، وهو ما أدى إلى ظهور جيل جديد أقل التزاماً بالبنية الكلاسيكية وأكثر قابلية للاختراق والانكشاف الأمني. كما أشار إلى تصاعد الخلافات الداخلية بين التيار المحافظ والتيار البراجماتي داخل التنظيم، في ظل تراجع النفوذ الإقليمي لمشروع الإسلام السياسي بعد عام 2011، وتحول الجماعة، من مشروع يسعى إلى التوسع والسيطرة، إلى كيان يحاول الحفاظ على بقائه واستمراره فقط.

واختتم العميد د.طارق العكاري حديثه بالتأكيد على أن الضربات التي تعرضت لها جماعة الإخوان خلال السنوات الماضية أدت إلى تراجع غير مسبوق في قدرتها التنظيمية والسياسية، معتبراً أن التنظيم يمر بمرحلة انكماش تاريخية قد تنتهي بتفككه الكامل وتحوله إلى مجرد فكرة فاقدة للتأثير والفاعلية على الأرض.

الغمرى

حسام الغمري: المقاربة الغربية تجاه الإخوان قائمة على حسابات المصلحة والوظيفة السياسية

أما الكاتب والإعلامي حسام الغمري، فقد بدأ حديثه عن آليات عمل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في المرحلة الراهنة، وطبيعة علاقته بالعناصر الموجودة خارج مصر، من حيث عمليات التكليف والتوظيف والتمويل وإدارة الحملات الإعلامية والسياسية، مشيراً إلى أن التنظيم ما زال يحتفظ بشبكات ممتدة وعلاقات معقدة تتجاوز الحدود الجغرافية للدول. مشيراً إلى ورقة بحثية صادرة في مايو 2026 عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، أعدها الباحث مايكل جاكوبسون، موضحاً أن أهمية التقرير لا تتعلق فقط بمضمونه، وإنما بكونه صادراً عن أحد مراكز الفكر القريبة من دوائر صناعة القرار الأمريكية. وأشار إلى أن التقرير تناول ما وصفه بتحول في العقيدة الأمنية الغربية تجاه التنظيمات العقائدية والدينية، عبر الانتقال من مرحلة التعامل مع الأذرع المسلحة والنتائج المباشرة للعنف، إلى التركيز على البيئة الفكرية والأيديولوجية التي تنتج هذه التنظيمات وتعيد تدويرها.

وأكد «الغمري» أن المقاربة الغربية تجاه جماعة الإخوان لم تكن في أي مرحلة قائمة على اعتبارات أخلاقية أو فكرية، وإنما على حسابات المصلحة والوظيفة السياسية، مشيراً إلى أن الجماعة استُخدمت تاريخياً كأداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير في إدارة الصراعات وإعادة تشكيل التوازنات داخل المنطقة. وأضاف أن التحولات الحالية في المواقف الغربية لا تعني بالضرورة تبنّي موقف مبدئي ضد الجماعة، بقدر ما تعكس إدراكاً متزايداً بأن التنظيم استنفد جزءاً كبيراً من قدرته الوظيفية وأصبح عبئاً في بعض الملفات الإقليمية.

وقام «الغمري» باستعراض تاريخي لمسار نشأة الجماعة في سياق ما بعد ثورة 1919، معتبراً أن حالة التوافق الوطني التي أفرزتها الثورة بين المسلمين والمسيحيين مثلت تحدياً مباشراً للمشروع الاستعماري البريطاني في مصر، وهو ما دفع إلى البحث عن أدوات من بينها تأسيس جماعة الإخوان لتكون قادرة على إعادة تفكيك المجال الوطني وإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية.

وأضاف أن اختيار مدينة الإسماعيلية كنقطة انطلاق أولى للجماعة لم يكن أمراً عشوائياً، في ظل الوجود البريطاني المكثف في منطقة القناة آنذاك، وهو ما منحها دعماً أسهم في انتقالها لاحقاً من نطاق محلي محدود إلى تنظيم واسع الانتشار يمتلك بنية سياسية ودعوية وتنظيمية متشعبة.

وأشار «الغمري» إلى أن التنظيم اعتمد منذ بداياته على فكرة «الجماعة الوظيفية» القابلة لإعادة التوظيف وفق المتغيرات الدولية والإقليمية، لافتاً إلى أن هذا النمط تكرر في أكثر من تجربة تاريخية داخل المنطقة، عبر دعم تيارات عقائدية يمكن استخدامها في إدارة الصراعات أو مواجهة الخصوم أو إضعاف الدولة الوطنية من الداخل.

وأكد أن التنظيمات العقائدية المسلحة تمثل بالنسبة للقوى الكبرى أداة «منخفضة الكلفة» مقارنة بالتدخلات العسكرية المباشرة، مستشهداً بما شهدته بعض دول المنطقة من عمليات تفكيك للجيوش الوطنية ومؤسسات الدولة عبر الحروب غير التقليدية، والصراعات الداخلية، واستخدام الفاعلين من غير الدول لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية واسعة.

وفي ختام كلمته، رفض حسام الغمري استخدام مصطلح «الإسلام السياسي»، معتبراً أنه يمنح هذه الجماعات غطاءً مفاهيمياً وسياسياً لا تستحقه، مؤكداً أن ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات مترابطة لا يمكن فهمه بمعزل عن الدور الذي لعبته التنظيمات العابرة للحدود في تفكيك الدول وإعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي خلال العقود الماضية.

الزهار

محمد صلاح الزهار: اضطرابات الشرق الأوسط الحالية هى ارتدادات مباشرة لإسقاط مشروع الإخوان فى مصر والعالم بعد عام 2013

وقال الكاتب الصحفي محمد صلاح الزهار، مستشار المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، إن أحد أهم أسباب استمرار جماعة الإخوان على مدار ما يقرب من قرن يعود إلى طبيعة البناء الفكري والتنظيمي للجماعة، موضحاً أن أدبياتها تقوم بالأساس على «تقديس الفكرة» واللافتة التنظيمية أكثر من ارتباطها بالأشخاص، وهو ما منحها قدرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها رغم الضربات والانقسامات التي تعرضت لها عبر تاريخها.

وأضاف «الزهار» أن الجماعة نجحت عبر عقود في بناء خطاب يقوم على هز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وأداء الحكومات، مستفيدة أحياناً من وجود أزمات أو أخطاء حقيقية، لكنها كانت توظف هذه المشكلات في إطار تعبوي يستهدف تأليب المجتمع وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما يختلف عن النقد الوطني الطبيعي القائم على الإصلاح وتقديم البدائل.

واستشهد «الزهار» بما وصفه بحالة التغلغل الواسع للجماعة داخل المجتمع خلال عقود سابقة، خاصة عبر المساجد والخدمات الاجتماعية والطبية، مشيراً إلى أن التنظيم استغل الفراغات الموجودة في بعض القطاعات الخدمية ليبني من خلالها شبكات نفوذ وتأثير مجتمعي.

وأشار «الزهار» إلى أن ما جرى في مصر عام 2013 مثّل لحظة فارقة في تاريخ المواجهة مع جماعة الإخوان، باعتبارها المرة الأولى التي يدخل فيها قطاع واسع من الشعب المصري في مواجهة مباشرة مع الجماعة، مدعوماً بمؤسسات الدولة المختلفة، لحماية الإرادة الشعبية ومنع تمرير مشروع التنظيم، مضيفاً أن الجماعة لا تتحرك باعتبارها كياناً مستقلاً بالكامل، وإنما كأداة يتم توظيفها ضمن حسابات وصراعات دولية وإقليمية.

وربط «الزهار» بين ما شهدته المنطقة بعد 30 يونيو والتحولات الجيوسياسية التي أعقبتها في الشرق الأوسط، معتبراً أن وقوف الدولة المصرية ومؤسساتها في مواجهة مشروع الإخوان أدى إلى إعادة ترتيب كثير من الحسابات الدولية والإقليمية، خاصة في ما يتعلق بمشروعات تفكيك الدول الوطنية وإضعاف الجيوش المركزية في المنطقة.

واختتم حديثه مؤكداً أن مواجهة جماعة الإخوان يجب ألا تقوم فقط على الاعتقاد بتراجعها أو انكشافها، وإنما على استمرار اليقظة المجتمعية والفكرية، وكشف الأدوات والأساليب التي تعتمد عليها الجماعة في إعادة التسلل إلى المجتمع واستغلال الأزمات والثغرات لبناء حضور جديد بأشكال مختلفة.

عمرو أحمدعمرو أحمد: المصالح السياسية تحكم علاقة إيران بجماعة الإخوان

وأكد الباحث عمرو أحمد، خبير الشئون الإيرانية بالمنتدى الاستراتيجي، أن العلاقة بين إيران وجماعة الإخوان مرت بعدة مراحل وتحولات رئيسية على مدار العقود الماضية، موضحاً أن هذه العلاقة لم تكن ثابتة، وإنما خضعت لتغيرات مرتبطة بطبيعة التحولات الإقليمية ومصالح الطرفين.

وأشار إلى أن المرحلة الأولى من التقارب تعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية، منذ فترات تأسيس جمعيات التقريب بين المذاهب في الأربعينات والخمسينات، حيث قامت العلاقة آنذاك على أرضية سياسية وفكرية مشتركة تتعلق بمواجهة النفوذ الغربي وقضايا التحرر ومقاومة الاحتلال في المنطقة.

وأضاف عمرو أحمد أن العلاقة دخلت مرحلة مختلفة بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، إذ تحولت من مجرد تقارب فكري أو سياسي إلى علاقة أكثر عمقاً بين دولة قائمة وتنظيم عابر للحدود، موضحاً أن إيران نظرت إلى جماعة الإخوان باعتبارها التيار الأقرب إليها داخل العالم السُّنى، بما يمنحها مساحة للتمدد السياسي والفكري داخل المنطقة العربية.

وأوضح أن هذه العلاقة شهدت تحولات واضحة بعد عام 2011، مع انتقال الإخوان من موقع المعارضة إلى موقع السلطة في بعض الدول، وهو ما أدى إلى تغير طبيعة العلاقة لتصبح أقرب إلى علاقة دولة بدولة أو سلطة بسلطة، لكن ذلك لم يمنع ظهور خلافات حادة بين الطرفين في ملفات إقليمية عديدة.

وأشار إلى أن الأزمة السورية كانت من أبرز نقاط التباين بين إيران والإخوان، في ظل دعم طهران للنظام السوري، مقابل مواقف مختلفة اتخذتها الجماعة تجاه الأزمة، كما ظهرت خلافات أخرى في ملفات مثل اليمن، والعلاقات الإقليمية، إضافة إلى حالة التقارب التي نشأت بين الإخوان والولايات المتحدة في بعض المراحل، وهو ما أثار قلقاً داخل الدوائر الإيرانية ودفعها إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع التنظيم.

ولفت عمرو أحمد إلى أن بعض مراكز الدراسات الإيرانية تناولت تجربة الإخوان في الحكم بالتحليل، مشيراً إلى أن إحدى الدراسات الصادرة عن مركز إيراني متخصص اعتبرت أن سقوط الجماعة يعود إلى عدة أسباب، من بينها عدم قدرتها على السيطرة على مؤسسات الدولة، أو بناء نموذج عقائدي وأمني مشابه للحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن فشلها في الحفاظ على الحاضنة الشعبية والسيطرة على الشارع السياسي.

وأضاف أن إيران باتت في المرحلة الحالية أقل اعتماداً على جماعة الإخوان كأداة أو حليف إقليمي، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة، وصعود أدوار إقليمية جديدة، وتطور العلاقات بين مصر وتركيا وإيران، وهو ما أسهم في تراجع نفوذ الجماعة داخل الإقليم بصورة ملحوظة.

محمود

محمود إبراهيم: مواجهة الإخوان معركة مجتمعية وفكرية والجماعة فقدت أهم روافدها التقليدية في التجنيد والتوسع عبر الجامعات والمساجد

وبدأ الباحث السياسي محمود إبراهيم، الخبير بالمنتدى الاستراتيجي، حديثه بالإشارة إلى تجربته المباشرة في متابعة ومواجهة جماعة الإخوان قبل وبعد عام 2011، مشيراً إلى أنه كان منخرطاً في العمل الإعلامي والسياسي خلال تلك المرحلة، وأنه تصدى بالمواجهة الفكرية لمشروع الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.

وأضاف «إبراهيم» أنه شارك ضد الإخوان خلال الانتخابات الرئاسية عام 2012، وهو ما أتاح له التعرف بشكل مباشر على آليات عمل الجماعة وخططها فى إدارة الصراع السياسي والإعلامي مع خصومها، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مرحلة المواجهات الإعلامية المباشرة مع قيادات إخوانية عبر عدد من القنوات والمنصات الإعلامية العربية، مشيداً بالدور الذي لعبه الإعلام المصري خلال السنوات الماضية في مواجهة خطاب الجماعة وكشف كثير من ممارساتها وأدواتها، معتبراً أن الدولة خاضت «معركة إعلامية» مهمة نجحت بدرجة كبيرة في تفكيك جزء من سرديات التنظيم، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «معركة الفكر العميق» المرتبطة بقضايا الإسلام السياسي والخطاب السلفي لا تزال قائمة ولم تُحسم بشكل كامل، سواء على مستوى المجتمع أو على مستوى المؤسسات المختلفة.

وأشار «إبراهيم» إلى أن الجماعة فقدت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم روافدها التقليدية في التجنيد والتوسع، والمتمثل في السيطرة على بعض المساحات داخل الجامعات والمساجد، لكنه أوضح أن التنظيم اتجه في المقابل إلى استثمار الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي كبديل للتأثير والاستقطاب، خاصة في أوساط الشباب والأجيال الجديدة.
وأوضح أن التحدي الأخطر لا يتعلق فقط بالعناصر المنتمية تنظيمياً للجماعة أو المتورطة في العنف، وإنما أيضاً بوجود دوائر أوسع من المتعاطفين أو المتأثرين بخطاب الإخوان دون ارتباط تنظيمي مباشر، لافتاً إلى أن بعض هؤلاء يتبنون أفكار الجماعة وروايتها السياسية بصورة غير معلنة، ويمارسون التأثير داخل المجال العام تحت عناوين مختلفة، من بينها حرية الرأي أو النقد السياسي، وهو ما يمنح هذا الخطاب قدرة أكبر على الانتشار داخل المجتمع.
واعتبر «إبراهيم» أن جماعة الإخوان، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، تمر بحالة تراجع وانحسار كبيرة، مرجحاً أن يتحول التنظيم تدريجياً إلى جزء من الماضي مع تعاقب الأجيال وتراجع قدرته على إعادة إنتاج كوادره ونفوذه بالشكل السابق. وحذر، في الوقت نفسه، من استمرار بعض الروافد الفكرية المرتبطة بالإسلام السياسي داخل المجتمع ومؤسسات مختلفة، مؤكداً أن المواجهة الحقيقية تظل فكرية وثقافية طويلة المدى تحتاج إلى بناء تيارات مجتمعية قادرة على تفكيك خطاب الجماعة ومواجهة أفكارها بصورة مستمرة ومنظمة.

عاطف

وفي كلمته، أكد الكاتب الصحفي أحمد عاطف، مساعد رئيس تحرير «الوطن»، أن أحد أخطر الملامح التي ميزت أداء جماعة الإخوان عبر تاريخها السياسي يتمثل في موقفها من مفهوم «الاستقلال الوطني»، مشيراً إلى أن هذه المسألة لا يمكن إدراك أبعادها الحقيقية إلا لمن احتك بالجماعة بصورة مباشرة داخل المجال السياسي قبل عام 2011.

وأوضح «عاطف» أن الجماعة كانت حاضرة بقوة داخل عدد من التحركات السياسية المعارضة في سنوات ما قبل يناير، سواء عبر تمثيلها البرلماني أو مشاركتها في بعض الحركات الاحتجاجية والسياسية، لكنها - في الوقت نفسه - كانت تتحفظ بصورة واضحة على أي خطاب أو طرح يركز على فكرة الاستقلال الوطني المصري باعتباره المدخل الرئيسي لمعالجة الأزمات السياسية والاقتصادية. وأضاف أن قيادات الجماعة القريبة من دوائر النخبة السياسية كانت تتعامل بحساسية شديدة مع تضمين هذا المفهوم داخل البيانات أو المواقف السياسية المشتركة، رغم مركزية الفكرة في المشروع الوطني المصري الحديث.

وأشار إلى أن هذا الموقف استمر حتى خلال أحداث يناير 2011، حيث ظهرت خلافات واضحة بين الجماعة وبعض القوى الوطنية حول طبيعة الخطاب السياسي والشعارات المطروحة، لافتاً إلى أن الإخوان تعاملوا برفض وتحفظ مع محاولات إدخال مفهوم «الاستقلال الوطني» ضمن المطالب الأساسية المطروحة آنذاك، رغم أن الفكرة ارتبطت تاريخياً بمسار الدولة المصرية منذ ثورة 1919، وظلت أحد أهم مصادر الشرعية السياسية والوطنية في مصر الحديثة.

وأكد «عاطف» أن موقف الجماعة من هذا المفهوم لم يكن عارضاً أو تكتيكياً، وإنما يعكس توجهاً عميقاً داخل التنظيم يقوم على تهميش فكرة الدولة الوطنية المستقلة لصالح مشروع عابر للحدود، وهو ما يفسر كثيراً من مواقف الجماعة وتحالفاتها وخطابها السياسي في مراحل مختلفة. وأضاف أن الإخوان عملوا على «تذويب مناطق الجفاء» مع الغرب وتقديم أنفسهم كقوة سياسية يمكن الاعتماد عليها وتوظيفها إقليمياً ودولياً، حتى لو جاء ذلك على حساب الثوابت الوطنية أو أولويات الدولة المصرية.

وأشار إلى أن هذا النهج ظهر بوضوح في عدد من الملفات والقضايا الإقليمية خلال فترة حكم الجماعة، سواء فيما يتعلق بالتعامل مع القضية الفلسطينية، أو طبيعة الخطاب الموجّه للخارج، أو المواقف المرتبطة بمفهوم السيادة وحدود الدولة الوطنية، معتبراً أن الجماعة كانت مستعدة لتقديم تنازلات سياسية كبيرة مقابل الحفاظ على بقائها واستمرار مشروعها التنظيمي.

واستعاد «عاطف» ما وصفه بـ«مرحلة الاستنزاف الشعبي» التي واجهتها الجماعة بعد وصولها إلى الحكم، بداية من تظاهرات «كشف الحساب» بعد مرور مائة يوم على تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي السلطة، مروراً بالاحتجاجات المتتالية ضد سياسات الجماعة، ووصولاً إلى التحركات والاعتصامات التي مهدت الطريق لثورة 30 يونيو 2013.

واختتم أحمد عاطف حديثه بالتأكيد على أن ما جرى في 30 يونيو لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، وإنما محطة مفصلية أعادت تشكيل مصير جماعة الإخوان ومشروعها الإقليمي، كما كشفت حجم المواجهة التي خاضتها الدولة المصرية بمختلف مؤسساتها لاحتواء المشروع الإخواني، معتبراً أن كثيراً من تفاصيل تلك المرحلة لا يزال يمثل ملفاً مفتوحاً يحتاج إلى المزيد من القراءة والتوثيق وفهم أبادها الكاملة.