توازنات وتناقضات الأجيال الرقمية
رموز الرياضيات والأحرف أصبحت جزءاً من ثقافة الأسرة.. دليل تكشف تفاصيله الكثير عن العلاقات بين الأجيال بكل ما طرأ عليها من تشابك مع طفرات التطور التكنولوجى. علاقة عكسية واضحة الملامح من جهة بين ثوابت إنسانية ووقائع سلبية طرأت للأسف عند بعض من سوّل لهم الطمع قدرة التحايل وإيقاع المغرر بهم.
من جهة أخرى انعكاس هذا على الاختلافات بين مسميات الأجيال السابقة بداية من جيل «إكس»، «واى»، «زد»، «ألفا»، انتظاراً لما سيحمله جيل «بيتا» ويشمل المواليد بين عامى 2025 حتى 2039. جيل سيكون متكاملاً للغاية من الناحية التكنولوجية وأكثر انغماساً مع مستجداتها.
فى عالم تتطور فيه التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة اللغة على الوصف، يكتسب الحديث عن الأجيال بعداً أعمق يرصد التباينات السلوكية، النفسية، الاجتماعية، من جيل «زد» الرقمى الذى لم يعرف سوى الإنترنت إلى «ألفا» الذى يكاد يصبح التفاعل مع الذكاء الاصطناعى والسوشيال ميديا أقرب إليه من الصداقات الحقيقية المباشرة.
تتوه مساحة التأقلم بين الطرف الذى يجب عليه تقبل واقع افتقاد صلة الحميمية الإنسانية والأسرية ليصبح التفاف الأسرة حول الهواتف بديلاً عن الحوار المباشر. فى سياق آخر يبدو عدم اللحاق بقطار التطور السريع حلاً غير منطقى أو مُجدٍ، ما يجعل إيجاد صيغة توازن بين جيل اعتاد التفاعل المباشر فى العلاقات الإنسانية وآخر أصبح تشكيل وعيه يعتمد على شاشات الهواتف والذكاء الاصطناعى. إشكالية فى غاية التعقيد تتطلب من الطرف الأول الكثير من الصبر والاقتراب من لغة وملامح تكوين الطرف الثانى، مع هامش استعداد الطرف الأخير على إبداء المرونة فى منح مساحة تقارب واستعادة بعض ملامح التواصل الأسرى المباشر.
عندها قد يصبح التفاعل الإيجابى بين الجيلين بديلاً عن الصدام بينهما ومحاولة كل طرف فرض قواعده على لعبة الأجيال.
الإشكالية المثيرة للدهشة تكمن فى حجم التناقص الذى يتسم به توجه رغبات أجيال الإنترنت والذكاء الاصطناعى. يشكلون نسبة الشريحة الأقل للمغرر بهم ممن يقعون ضحايا عمليات الاحتيال سواء فى جرائم سرقة البيانات البنكية، توظيف الأموال، مواقع مشبوهة على وسائل التواصل الاجتماعى تجمع أموال السذج حتى وإن وصل التدنى إلى التلاعب على النزعات الإنسانية أو المالية للآخرين وغيرها من طرق الاحتيال.
هم أيضاً الشريحة العمرية الأقل بين المندفعين إلى تصديق هوس بعض مدعى الشهرة عبر المتاجرة بحياة الآخرين تحت زعم نظم، وصفات، علاجات طبية، تضمن لهم السلامة بينما فى الواقع تمثل أسرع الطرق إلى تهديد أو إنهاء حياة من يدفعهم الوهم للانسياق خلف الدجل باسم الطب كوسيلة لمحاربة الأمراض.
من جهة أخرى، تلهث هذه الأجيال على منصات إلكترونية مختلفة للرهان أو المقامرة يمكن لأى شخص المراهنة فيها على أى شىء. بداية من نتائج مباريات كرة القدم، المضاربات فى العملات الرقمية، وانتهاء بموعد انتهاء الحرب الأمريكية الإيرانية وافتتاح مضيق هرمز.
الهدف طبعاً استغلال ارتباط أجيال «زد» و«ألفا» بتكنولوجيا الإنترنت حتى وإن كان الشغف يأخذهم إلى مواقع تنحصر أهدافها فى سلب أموال من يقع فريسة إدمان آفات المراهنات والمقامرة. الأدهى أن أسواق المراهنات امتدت لتصبح صناعة سريعة النمو تقدر بمليارات الدولارات، أما الشريحة العمرية الأكثر استخداماً لهذه المنصات تتراوح أعمارهم بين 16 و24.
أجيال «واى»، «زد»، «ألفا»، فى مصر لا تختلف فى السمات العامة عن أقرانها على مستوى العالم، قد يبدو المثال الأقرب للتوضيح أنه بعدما كانت الأجيال السابقة تعتمد كلياً على التعليم عبر التفاعل الإنسانى يتسارع الاتجاه فى العديد من المدارس والجامعات المصرية إلى تطبيق أنظمة التكنولوجيا التعليمية.
ما أفرز جيلاً شكّلت ملامحه وسائل مختلفة، يمتلك الكثير من الذكاء والخيال لكن خصائصه بحاجة إلى ضبط التوازن بين عوالمه الافتراضية التى تلبى طموحه وأحلامه، وبين واقع التواصل المباشر.