لذلك اجتهدوا كلهم
كثير من الأحكام في الإسلام فيها خلاف.. لذلك فإن كثيراً منها أُقرَّت باجتهاد.
قال تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ». فقال بعض أهل الفقه بوجوب العمرة كوجوب الحج، وقال آخرون إن الفريضة في الحج وحده لقوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».
في عهد أبي بكر رضى الله عنه كان الطلاق ثلاثة لا يقع إلا طلاقاً واحداً، لكن لما تنامى استخدام الرجال اليمين ثلاثة استخفافاً واستسهالاً قرَّر عمر بن الخطاب، وهو في مقام الخلافة، أن يقع الطلاق بالثلاثة ثلاثاً.
اجتهد عمر كى يوقع الرجال في شرور أعمالهم زجراً عن التلاعب بيمين غليظ أو استسهاله، أو الإسهاب في استخدامه بلا مبرر ولا مقتضى.
وفي القرآن الكريم لا عقوبة لشارب الخمر.. فمن أين أتى الفقه بحد الجلد؟.. حدث أن عمر بن الخطاب استفتى عليّ بن أبي طالب في عقوبة لشارب الخمر في واقعة ما.
اجتهد عليّ في عقوبة السكران قياساً على عقوبة قاذف المحصنات.
ولما كان الجلد حداً قرآنياً لقاذف المحصنات، فقد جعل عليّ الجلد أيضاً عقوبة لشارب الخمر قياساً.
وقاذف المحصنات هو المتكلم في سيرة المرأة العفيفة الغافلة بسوء.
قال عليّ إن من شرب سكر، ومن سكر غاب عقله، ومن غاب عقله قال ما لا يعلم، ومن قال ما لم يعلم فإنه قد يتكلم في السِّيَر ويخوض في الأعراض.
اعتبر عليّ أن العامد إلى الخمر وهو يعلم ما فيها، كالعامد لذكر النساء بسوء بلا دليل.
أقرَّ الصحابة اجتهاد علىٍّ رضي الله عنه، ثم أقره الفقه في عصور التابعين وتابعى التابعين من بعد جيل الصحابة، مع أنه جائز للمرء أن يشرب ولا يهذى.. ويجوز أن يشرب فيسب ويشتم دون أن يرمى محصنة أو يخوض في سيرة عفيفة.
لكن حكم الجلد صار باتاً.. وصار أساساً في تاريخ الفقه.
اجتهد عليّ كما اجتهد عمر من قبله وكما اجتهد أبوبكر من قبلهما.. وللمجتهد أجره في خطأ.. وأجران في صواب.
في عصور الإسلام الأولى استقر الصحابة على عدم جواز تقاضى أجر في قراءة القرآن.
لكن لما توسَّع الإسلام وتباعدت البلاد المفتوحة، دخل الإسلام كثير من العجم لا يعرفون العربية ولا يفهمون القرآن، فاضطر أهل الفقه لإباحة الأجر في قراءة كتاب الله وزادوا في مقداره.
الغرض كان مزيداً من تداول كلام الله وسماعه وتعلمه وتعليمه ونشر قراءته على أوسع نطاق.
أغلب أحكام المعاملات في الإسلام لها من الأسباب ما يجعلها قابلة للصمود والاستمرار.
وسبب الحكم هو علته، وعلة الحكم هى الغرض منه.
ما من حكم شرعى إلا ويدور مع علته وجوداً وعدماً، ليبطل الحكم مع بطلان العلة.. ويزول مع زوال السبب.
والقاعدة الشرعية أنه: إذا انتفت العلة بطل الحكم.. وإذا بطل الحكم انتفت العلة.
ماذا يعنى هذا الكلام؟
يعنى أن الأحكام الشرعية في دين الله الحنيف لها ما يقيمها من أسباب، ولو تلاشت الأسباب وتغيرت.. زالت الأحكام وتلاشت العقوبات.
والإسلام شريعة متجددة مرنة بقدرة واسعة على استيعاب المتغيرات في العصر والزمن.
عودة لاجتهاد عمر في الطلاق ثلاثة.
فقد رأى عمر وهو في موقع الخليفة أنه لا يجوز للرجال الاستخفاف بيمين يفرق بين زوجين.
وفطن إلى أنه لو علم الرجال أنه لا مراجعة في طلاق بيمين متسرع.. لما استهانوا.
الاجتهاد فرض.. لأن الصحابة فعلوا.. واجتهد بعدهم التابعون ومن تبعهم بإحسان.