أنا ورأفت الهجان (2)

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

بدأنا تصوير مسلسل رأفت الهجان قبل رمضان بشهر تقريباً، والحقيقة في هذه الفترة الصعبة جداً كنا نعمل في الجزء الأول بشكل مستمر، ليل نهار، وكان المهم أن ننتهي من مشهد هيتعرض في الحلقة الثانية، وكان هذا المشهد المفروض إنه بيتصور في الصحراء، حيث يظهر «رأفت» -بهويته آنذاك «ليفي كوهين»- وهو يقود سيارته قبل أن يستوقفه أحد الضباط الإنجليز، فيطلب منه جواز سفره.

وعندما يُخرج «ليفي كوهين» جواز السفر من جيبه، يظهر أن الكتابة قد تلاشت بفعل العرق، فينكشف التزوير. صوّرنا هذا المشهد في أول أيام رمضان، وتحديداً في نهار شديد الحرارة وكان أداء المشهد يتطلب أن يشعر بالعطش الشديد ويبدو وكأنه يشرب الماء وينساب من فمه. وكان محمود عبدالعزيز عنده إخلاص شديد فكان حريصاً على صلاته وصيامه، ورفض أن يُفطر تماماً، فاضطررنا إلى التحايل أثناء التصوير، كان يضع الماء في فمه دون أن يبتلعه، ثم نقطع التصوير، ليعيد إخراجه، ويستكمل المخرج يحيى العلمي اللقطات بطريقة توحي للمشاهد بأنه يشرب بالفعل. وخلصنا يومها التصوير قبل المغرب يمكن بعشر دقائق، وكل واحد رجع بيته متأخراً جداً، وأولنا محمود عبدالعزيز، هذا المشهد كان من المشاهد الصعبة جداً، خصوصاً إننا كنا بنصور في حرارة مرتفعة في صحراء، وفي صعوبة بالغة، لكنه كان حريصاً على إنه يؤدي هذا المشهد بإتقان تام وأداء جميل.

أيضاً من المشاهد الصعبة والحقيقية جداً، والتي كان يؤديها وكان فيها نوع من الشجن الشديد جداً جداً مشهد لن أنساه، كان مقبوضاً عليه في سجن السيدة زينب، ومعه رجل فنان من الفنانين الكومبارس المعروفين جداً اسمه مطاوع عويس، والمشهد بسيط جداً، وفي هذا المشهد المفروض الفنان محمود عبدالعزيز بيقول لمطاوع عويس تاكل ساندويتش، فيرد عليه لا، فيقول له: ليه، يقول له: أصله ما بيحوأشـي، فكان الفنان مطاوع عويس بدل ما يقول ما بيحوأشي يقولها غلط، وعدنا هذا المشهد 18 مرة، لدرجة إن الفنان محمود عبدالعزيز الموضوع قلب عنده بضحك، لأن كل مرة بيحصل غلطة في الكلمة، رغم أن الحوار كله لا يتجاوز 30 ثانية، لكن عندما وصلنا للمرة الـ17 هو نفسه كان الذي يضحك، وهو الذي يوقف المشهد من الضحك، وصورنا هذا المشهد الذي لم تتجاوز مدة عرضه على الشاشة 30 ثانية 18 مرة، وكم كانت في الجو ألفة شديدة جداً.

أتذكر كم الابتسام والضحك الذي كان يسود هذه المشاهد خلف الكواليس، فالأستاذ محمود عبدالعزيز دمه خفيف جداً، وكانت دائماً له جملة شهيرة يقولها «بالصلاة ع الصلاة يا نار يا نار»، كان كل ما يعمل مشهد ويتعمل كويس، فكأنه بيشجع نفسه ويقول «بالصلاة ع الصلاة يا نار يا نار.. صلى على رسول الله»، وأصبحت هذه الجملة لازمة موجودة عند كل العاملين في البلاتوه. ومن المواقف الطريفة جداً أن الأستاذ محمود كان لا يحب الأسانسيرات القديمة، يعني من النوع الذي يتضايق جداً من الأسانسيرات القديمة، وكنا بنصور بيت رأفت الهجان في 1 ميدان طلعت حرب، والذي استأجرت له فيه غرفة فوق السطوح، وفي إحدى المرات ونحن بنصور تعطل الأسانسير بنا، فصمّم بعد ذلك طوال مدة التصوير أن يطلع كل الأدوار وينزل بدون ركوب الأسانسير. كما كانت هناك حالة سجال وحوار بينه وبين الأستاذ صالح مرسي، الكاتب الكبير الذي كان دائماً يقعد معه يتكلمان مع بعضهما، ويتناقشان في المشاهد، وفي بعض الكلمات فيها، الحقيقة كان نوعاً من الحوار الديمقراطي جداً، عمالقة بيتحدثوا كي نستطيع أن نصل إلى شكل تليفزيوني جذاب، ثم بدأ عرض المسلسل أول يوم في رمضان.

وأريد أن أقول لحضراتكم إنه في هذا اليوم كانت الشوارع خالية، كانت الناس كلها قاعدة أمام التليفزيون منتظرة تشاهد مسلسل «رأفت الهجان»، كنا بنصور ونمنتج ونذيع في نفس الوقت، فكان شيء صعب جداً، كنا بنصور أوردرات الصبح وأوردرات بالليل، وأنا لن أنسى هذا اليوم الذي كنا بنصور فيه في المقطم وبنصور مشاهد خارجية على أنها في تل أبيب، وأذّن الأذان علينا وكنا في رمضان، ووقتها لم نكن عاملين حسابنا أن يكون معنا فطار، ولكن بالصدفة البحتة كنا بنصور أمام منزل العالمة القديرة الدكتورة عبلة الكحلاوي، رحمها الله، فوجدنا حد بينظر لنا من الشباك وقت أذان المغرب وبيندهلنا وبيقول لنا اتفضلوا الفطار جاهز، كنا مجموعة كبيرة جداً، الدكتورة عبلة الكحلاوي نزلت بنفسها ودعت الأستاذ محمود والكاست كله على الفطار، وطلعنا كلنا فطرنا عند الدكتورة عبلة الكحلاوي، ثم أكملنا التصوير. كان الأستاذ محمود عبدالعزيز يعطي ملاحظات جانبية لزملائه وكان يراعي مشاعرهم جداً، فكان من الممكن جداً أنه عندما يقوم بأداء أي مشهد ويجد أن الممثل الذي أمامه أداؤه ضعيف، فيقوم هو بإعادة المشهد عن طريق أنه يخطئ في كلمة ويقول «ستوب نعيد تاني»، وبعدها يذهب إلى الفنان الذي يشاركه المشهد ويهمس في أذنه كي ينصحه بشكل لا يستطيع أحد أن يشعر به.

للحديث عن «رأفت الهجان» ذكريات جميلة وكثيرة نتعلم منها كيف يكون الفنان فناناً صادقاً منذ اختياره للدور، فكان محمود عبدالعزيز وطنياً صادقاً، قدّم هذا الدور الذي كان بمثابة ملحمة وطنية تعزّز الانتماء للوطن، مما جعل الشباب في تلك الفترة التي قُدم فيها في عام 87 يشعرون بمعنى الانتماء للوطن وحب الوطن والتضحية للوطن، وكم كان محمود عبدالعزيز صادقاً في مشاعره، وكانت دمعته سريعة، وقلبه قلب طفل صغير، كان يجزع لأي ألم يشعر به غيره، وكان مبهجاً يشع سعادة في كل من حوله، حتى إن كان هو من داخله حزيناً. إن مسلسل «رأفت الهجان» عندما تم إنتاجه في عام 1987 كانت وراءه رسالة مهمة جداً من مصر إلى إسرائيل، كان مفادها أن مصر استطاعت أن تُلقن إسرائيل دروساً كثيرة على مدار عمر الصراع العربي - الإسرائيلي، فكان مسلسل «رأفت الهجان» عملاً سياسياً رائعاً قام ببطولته فنان وطني صادق، هو «محمود عبدالعزيز»، رحمه الله.