قصة كفاح صنعتها الثقة.. صفية المهندس من صعوبة في النطق إلى قمة الإذاعة

كتب: سمر عبد الرحمن

قصة كفاح صنعتها الثقة.. صفية المهندس من صعوبة في النطق إلى قمة الإذاعة

قصة كفاح صنعتها الثقة.. صفية المهندس من صعوبة في النطق إلى قمة الإذاعة

في تاريخ الإعلام المصري أسماء كثيرة تركت بصمتها، لكن قليلين تحولوا إلى علامات مضيئة في مسيرة المهنة، ومن بين هؤلاء تبرز الراحلة الإعلامية الكبيرة صفية المهندس، التي لم تكن مجرد مذيعة ناجحة أو مسؤولة إدارية بارزة، بل كانت نموذجا لامرأة آمنت بموهبتها وانتزعت مكانتها في زمن لم تكن فيه الفرص متاحة بسهولة أمام النساء ، دعمها والدها، وآمن بها منذ طفولتها، وساندها في مواجهة التحديات التي كادت أن تقف حائلا أمام أحلامها، وبين ذكريات الطفولة، وقصص الكفاح، وسنوات العمل الجاد داخل الإذاعة المصرية، تكشف «المهندس» في حوار نادر جانبا إنسانيا من رحلتها، رحلة امرأة صنعت نجاحها بالإصرار، وحملت معها دائما الامتنان لمن منحها الثقة والدعم في بدايات الطريق.

 الإذاعية صفية المهندس

بداية مشوار الإذاعية صفية المهندس

وبمناسبة عيد الإذاعة المصرية، نستعيد حوارا نادرا أجرته معها مجلة الإذاعة والتلفزيون عام 1960، في مرحلة مهمة من حياتها المهنية، بعدما أصبحت أول امرأة مصرية تتولى منصب مراقبة المنوعات بالإذاعة المصرية، وهو المنصب الذي اعتبره كثيرون وقتها انتصارا جديدا للمرأة المصرية والعربية، ودليلً على سقوط آخر الحواجز التي كانت تعترض طريقها نحو المناصب القيادية.

في ذلك الحوار، لم تتحدث صفية المهندس بلغة المنتصر المتفاخر، بل بدت كما عرفها الجميع، هادئة، رقيقة، ومؤمنة بأن النجاح لا يأتي إلا بالعمل والإصرار، كانت تصل إلى مكتبها مبكرا، قبل مواعيد برامجها، وتبقى لساعات طويلة تناقش وتقترح وتتابع أدق التفاصيل، حتى أصبح العمل جزءا أصيلا من حياتها.

وعندما سُئلت عن شعورها بعد تولي المنصب الكبير، اكتفت بابتسامة وقالت إن التجربة بلا شك كبيرة، لكنها تؤمن أن النجاح يصبح مؤكدا عندما يقرر الإنسان أن ينجح ويُعد نفسه لذلك، وخلال الحديث، عادت بذاكرتها إلى سنوات الطفولة، وتوقفت طويلا أمام شخصية والدها، الذي اعتبرته صاحب الفضل الأكبر في تكوين شخصيتها، وروت كيف كانت تعاني وهي صغيرة من بعض المشكلات في النطق، الأمر الذي دفع والدها إلى الاهتمام بها ومتابعتها بعناية حتى تجاوزت تلك العقبة تماما.

 الإذاعية صفية المهندس

مشكلة النطق لدى صفية المهندس هل اثرت على عملها؟

وكانت المفارقة التي تضحك لها دائما أنها لم تكن تتخيل يوما أن تصبح مذيعة، وأن تعمل في مهنة تعتمد في الأساس على الصوت والقدرة على الحديث أمام الجمهور، لكنها وجدت نفسها لاحقا واحدة من أشهر الأصوات النسائية في الإذاعة المصرية: «كنت أواجه بعض مشكلات النطق، لقد كنت وأنا صغيرة عندما أقرأ كانت زميلاتي يضحكن عليّ، وقفت أسرتي معي، وطلب والدي من أساتذتي إعفائي من تسميع المحفوظات، وحذر إخواني من السخرية مني بسبب عقدة اللسان، وأحاطني بكل رعاية وعناية حتى انتهت عقدة لساني، ولم أكن أحلم في هذه الأيام أن أعمل في مهنة قوامها اللسان».

صفية المهندس التي دخلت الإذاعة عام 1945، مرّت بتجربة صعبة بعد رفض أقاربها التحاقها في الجامعة لكن والدها خاض معركة أخرى من أجل تعليمها الجامعي بحسب حديثها للمجلة، موضحة أن الأسرة لم تكن متحمسة لفكرة التحاقها بالجامعة، لكن إصراره على تعليمها جعلها تلتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وهي الخطوة التي فتحت أمامها أبوابا واسعة في الحياة والعمل، ولم تخفِ صفية المهندس امتنانها الكبير لوالدها، مؤكدة أنها مدينة له بالكثير مما حققته، لأنه لم يكتفِ بتعليمها، بل منحها الثقة بالنفس، وساعدها على اكتشاف مواهبها، وغرس داخلها قيم حب الخير والالتزام وتحمل المسؤولية.

وفي حديثها عن التربية، أكدت أن الإنسان يولد باستعدادات مختلفة، وأن دور الأسرة والمجتمع هو توجيه هذه الاستعدادات وصقلها، مشيرة إلى أن العاملين في المجال التربوي يتحملون مسؤولية كبيرة في إعداد أجيال قادرة على النهوض بالمجتمع: «العائلة كانت تعارض دخولي الجامعة، ولولا إصراره ما أصبحت صفية المهندس الحالية، كانوا يتصورون أنه يدعمني لكي أكون أديبة، أنا مدينة له بكل شيء، لقد أحسن تربيتي ووضع الإشارات الأولى لي، وهيأ البيئة الصالحة لصقل مواهبي، وغرس في قلبي حب الخير ونبذ الشر».

 الإذاعية صفية المهندس

دعم مسيرة صفية المهندس

وعندما سُئلت عن الشخص الذي تثق في رأيه ونقده أكثر من غيره، أجابت دون تردد: «والدي، كان يتابع أعمالي الإذاعية باهتمام شديد، ويناقشني في أدق التفاصيل، ويقدم لي الملاحظات بصراحة ومحبة، الأمر الذي ساعدنيعلى التطور المستمر، كان في بداية عملي الإذاعي ينتظرني بعد قراءة نشرة الأخبار، ويحاسبني حسابا عسيرا أو يدعمني، أنا أثق في تفوق رأيه ثقة كبيرة، وهذه الثقة جاءت بعد تجربة طويلة، وما دامت الثقة موجودة فلا خلاف».

كما تحدثت عن زوجها الإذاعي الكبير محمد محمود شعبان «بابا شارو»، مؤكدة أنها كانت تؤمن بأهمية تبادل الأفكار بينهما، وأن النجاح في الحياة الزوجية لا يكتمل إلا عندما يدعم كل طرف الآخر، وعندما قيل لها إن الناس عادة ما يرددون أن وراء كل رجل ناجح امرأة، ابتسمت وردت قائلة: «وهل نسيتم أنني أقف وراء نجاحه أيضًا؟».

وعن سر قدرتها على التوفيق بين مسؤولياتها الإدارية وبرنامج «ربات البيوت» الذي ارتبط باسمها لسنوات طويلة، أوضحت أن البرنامج أصبح جزءا من كيانها، وأنها لم تكن تشعر بأنها تؤدي واجبًا ثقيلا، بل كانت تمارس عملا تحبه وتؤمن برسالته، وأكدت كذلك أن النقد البناء ضرورة لا غنى عنها لأي إعلامي، وأنها كانت حريصة على الاستماع إلى برامج المنوعات المختلفة ومتابعتها باستمرار، لأن التطور المهني لا يتحقق إلا بالمتابعة والتعلم الدائم.

ويبقى هذا الحوار النادر شاهدا على شخصية استثنائية صنعت تاريخا طويلا داخل الإذاعة المصرية، ورسخت اسمها كواحدة من أهم رائدات الإعلام في مصر والعالم العربي، لتظل صفية المهندس نموذجا للإرادة والطموح والعمل الجاد، وواحدة من الرموز التي تستحق أن تفتخر بمسيرتها في كل عيد للإذاعة.