نحو إعلام دولي: من خطاب «النمطية» إلى خطاب «الانفتاح»
كيف يكون لإعلامنا بصمة عالمية ونروي قصتنا للعالم بدلاً من أن يرويها الآخرون؟
وفقاً لنظرية القوة الناعمة لـ«Joseph Nye» فإن النفوذ الحقيقي لا يتحقّق عندما تقدّم الدولة رسالتها، بل عندما تصبح هذه الرسالة جاذبة وقابلة للتبني من قبل الآخرين. لذلك فإن التحدي أمام الإعلام المصري لا يتمثل في زيادة حجم الرسائل الموجّهة إلى الخارج، بل في زيادة قدرتها على الإقناع والانتشار والتأثير.
«صناعة الرواية» واحدة من أهم القوى التي تتمتع بها الدول، حيث تمتلك القدرة على تفسير الأحداث وصياغة الخطاب وتحدّد كيف يفهم العالم الواقع. وفي هذا السياق، تواجه مصر تحديّاً استراتيجياً يتمثل في الفجوة بين وزنها السياسي الحقيقي وحجم تأثيرها الإعلامي الدولي. مصر دولة محورية في الشرق الأوسط تلعب أدواراً رئيسية في ملفات الأمن الإقليمي والطاقة ومكافحة الإرهاب والقضية الفلسطينية والأزمات الإقليمية. ومع ذلك، غالباً ما تُقدَّم صورة مصر للعالم عبر عدسات إعلامية خارجية غربية، تقوم بتفسير الأحداث المصرية، وفقاً لأولوياتها ورؤيتها ومصالحها الخاصة. المشكلة ليست أن مصر لا تمتلك قصة ترويها، بل في أن الآخرين يضعون أطراً نمطية لرواية قصتها، مما يتسبّب في عدم الوصول إلى نفوذ التأثير الدولي.
إن الحضور العالمي للإعلام المصري اليوم ليس في تقديم الصورة المصرية الحقيقية فقط، بل بناء منظومة إعلامية عالمية تجعل المؤسسات الدولية نفسها تعتمد على الرواية المصرية بوصفها مصدراً رئيسياً لفهم الأحداث. لذا يمكن التحول من خطاب «النمطية» الذي يصيغه الغرب إلى خطاب «انفتاح» تكتبه مصر عبر بعض مقترحات مستخلصة من رسالة الدكتوراه:
أولاً: الانتقال من الإعلام المحلي إلى الإعلام الدولي
الهدف هنا ليس ترجمة المحتوى المحلي إلى لغات أجنبية، فالجمهور الدولي لا يستهلك الأخبار بالطريقة نفسها التي يستهلكها الجمهور المحلي. المطلوب هو إنشاء منصات إعلامية دولية مستقلة في أسلوبها التحريري ولغتها -اللغة هنا تعني الأطر والألفاظ والدلالات- وأدواتها المهنية باستخدام تحليل البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي، موجّهة أساساً إلى الجمهور العالمي بالمفاهيم والأفكار التي يفهمها، وبالمصطلحات التي تخاطب إحساسه وعقله، لذلك عندما تنتج مصر محتوى مترجماً باللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والسواحلية، لا بوصفه ترجمة حرفية، بل باعتباره خطاباً مصمماً منذ البداية لجمهور دولي.
ثانياً: تأسيس مركز وطني للسرديات الاستراتيجية
تملك الدول الكبرى ما يُعرف بمراكز تحليل الخطاب والرأي العام الدولي. وتتمثل مهمتها في دراسة كيف ينظر العالم إلى الدولة، وما الصور الذهنية السائدة عنها، وكيف يمكن التأثير فيها. يمكن لمصر إنشاء «المركز المصري للسرديات الدولية» ليضم خبراء في الإعلام الدولي والعلاقات الدولية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. وتكون مهمته متابعة صورة مصر في الإعلام العالمي، تحليل الروايات المعادية أو المشوّهة، إنتاج سرديات بديلة مبنية على الحقائق، تقديم محتوى جاهز للمنصات الدولية والصحفيين الأجانب يخاطب ثقافتهم. فبدلاً من انتظار ظهور رواية سلبية ثم الرد عليها، يصبح الهدف هو تشكيل الرواية منذ البداية والتحول من عقلية «الدفاع» إلى عقلية «المبادرة».
ثالثاً: الاستثمار في الصحافة التفسيرية والوثائقية
العالم لم يعد يتأثر بالبيانات الرسمية بقدر ما يتأثر بالقصص الإنسانية. فحين تتحدث مصر عن مكافحة الإرهاب، لا يكفي عرض الأرقام. يجب تقديم قصص حقيقية عن المجتمعات التي استعادت الاستقرار. وحين تتحدث عن التنمية، لا يكفي عرض المشروعات. يجب عرض حياة المواطنين الذين تغيّرت ظروفهم بسبب هذه المشروعات. المؤسسات العالمية المؤثرة لا تبيع المعلومات فقط، بل تبيع القصة، كما أن معظم المنصات الدولية تعتمد على التقارير الإنسانية في عرض أخبارها، لذلك يجب إنشاء وحدات إنتاج وثائقي عالمية المستوى تنتج أفلاماً وسلاسل رقمية قابلة للعرض على المنصات الدولية الكبرى.
رابعا: إنشاء منصات رقمية عالمية متخصصة
بدلاً من محاولة منافسة المؤسسات العالمية في كل المجالات، يمكن لمصر أن تقود التغطية الدولية ويكون لها الصدارة في ملفات تمتلك فيها خبرة استراتيجية، مثل: شؤون الشرق الأوسط، أفريقيا، أمن البحر الأحمر، الطاقة، الهجرة، مكافحة الإرهاب، المياه، السياحة فعندما تصبح المنصة المصرية المرجع الأفضل في هذه الملفات، فإن المؤسسات الدولية ستهرع للاعتماد عليها والاقتباس منها.
خامساً: بناء شبكة شراكات إعلامية عالمية
التأثير لا يتحقّق بالعمل المنفرد، يمكن لمصر إطلاق برامج شراكة مع مؤسسات إعلامية في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا. كما يمكن تبادل الصحفيين، إنتاج وثائقيات مشتركة، تأسيس منصات إقليمية متعدّدة الجنسيات، إنشاء مراكز تدريب إعلامية دولية في القاهرة. وبذلك تتحول القاهرة إلى مركز إعلامي عابر للحدود.
سادساً: تبني خطاب أكثر انفتاحاً وذكاءً
كلما بدا الخطاب أكثر انفتاحاً على النقاش وأكثر قدرة على استضافة وجهات النظر المختلفة، ازدادت قدرته على الوصول إلى الجمهور الدولي وازدادت مصداقيته. الهدف ليس التخلي عن المصالح الوطنية، بل تقديمها في إطار أكثر احترافية وذكاءً في العرض، فالروايات القوية لا تخشى الحوار، بل تستخدمه لتعزيز نفوذها.
إن مستقبل امتداد النفوذ المصري الإعلامي يعتمد على قدرتها على شرح ما تفعله للعالم بطريقة تُقنعه وتؤثر به. فالقوة السياسية بدون قوة خطاب تظل ناقصة التأثير، بينما يتحول الخطاب الناجح إلى إضافة استراتيجية للقوة الوطنية. لقد امتلكت مصر لعقود طويلة القدرة على تشكيل الوعي العربي. واليوم تملك فرصة تاريخية لتوسيع هذا الدور نحو المجال الدولي بنشاطها الدبلوماسي الملحوظ، لكن ذلك يتطلب الانتقال إلى إعلام يخاطب العالم، يصنع الأجندة، وتصيغه مصر بنفسها. فاليوم، من يملك القصة ويعرف كيف يرويها هو من يملك معظم القوة.