السينما والمسطرة الشرعية
انتفض أحد الأحزاب ضد فيلم سينمائي كوميدي، تم تكفير الفيلم، واتهام صناعه بازدراء الدين وتدمير القيم والأخلاق.. إلى آخر قائمة الاتهامات المحفوظة التي يلقون دائماً بها في وجوه صناع الفن، السؤال هل المطلوب من الفن أن يتحول إلى خطبة دينية؟ هل شاشة السينما هي منبر مسجد، وهل خشبة المسرح هي ساحة معبد؟ هل لا بد أن تكون كل أغنية هي حلقة ذكر أو تواشيح أو ترانيم دينية؟!
الفن يا سادة يقاس بمسطرة الفن والجماليات الفنية، وليس بمقياس الأمور الفقهية، والفتاوى الدينية، بمسطرة الجيد والرديء، وليس بمقياس الحلال والحرام، والجائز والمكروه، فلسفة الجمال هي التي تتعامل مع الفن، كل شيء من الممكن أن يناقشه الفن، ولكن المهم أن يكون فناً، إذا تحدث الفن عن التزمت الديني، وانتقده فنياً، وبطريقة كوميدية، هذا من حقه، فنحن جميعاً ضد التزمت الديني، لا يمكن للفن أن ينعزل عن المجتمع، ويشهد نتائج التزمت والتطرف، من ضحايا تفجيرات وذبح وسحل وحرق، ونطلب منه أن يظل في مقاعد المتفرجين، بحجة أن هذا دين لا يمس، هذا ليس الدين، ولكنه فهمك الخاص للدين، ومن حقي كفنان أن أناقشه، إذا كنت مؤمناً بأن قتل فلان حلال لأنه انتقد فقيهاً، أو اعتبرته أنت مرتداً، فهذا رأيك الذي تحول لجريمة، عليَّ كفنان أن أكشفه وأعريه وأعرضه للجمهور، لقد منعتم «أولاد حارتنا» بحجة أنها ضد الدين، وعندما اطلع عليها الناس اكتشفوا عملاً بديعاً، عندما حاكموه بمقاييس الجمال والفن، وجدوا أنفسهم أمام رواية من أعظم الروايات في التاريخ.
توفيق الحكيم الذي كتب طريد الفردوس الذي طردته السماء، ولم يدخل جنة أو جحيماً، وهبط إلى الأرض ثانية، وتحول إلى فيلم، لم يكن يدعو لكفر أو إلحاد، لكنه كان يعرض قضية وجودية وفلسفية، هل نحاكمها بمنطق سلفي ونكفره؟! الفن لا يناقش ولا يشاهد بتلك الطريقة المليئة بالتربص، المشحونة بالاصطياد، الفن يعرض لشريحة من الحياة، ولا يعرض لشريحة من يوتوبيا، هناك كلمات في كتب تراثية ألفها رجال دين، مليئة بألفاظ من التي تصفونها بأنها خادشة، وليس هنا مجال عرضها، ولكن افتحوا الكتب التي تخفونها عن أولادكم وبناتكم خشية الفتنة، وهي في الأصل كتب فقهية! حنانيك يا نائب الشعب، وليس هكذا تورد الإبل يا حزبنا الديني العزيز، فالفن أشمل وأوسع من أن تحبسه في موعظة، والدين أكبر وأعظم من أن تختزله في فقيه أو شيخ.